من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: الزول الوسيم.. في طبعوا دايما هادي!

أغنية (الزول الوسيم) تقوم فنياً على معادلة دقيقة بين النص الغزلي والصياغة اللحنية والأداء التعبيري، محمد سعيد دفع الله لا يقدم وصفاً خارجياً للمحبوب فحسب، وإنما يبني صورة جمالية متدرجة، يبدأ بالصفة النفسية (في طبعو دايماً هادي) ، ثم ينتقل إلى العين والخد، وبعدها يحول الجمال إلى قوة مؤثرة: (من عينيك سيوف تقطع دوام في فؤادي) ، هذا الانتقال من الوصف إلى التأثير هو أحد مفاتيح القوة الدرامية في النص
من الناحية الشعرية، يعتمد النص على التصوير الحسي والمبالغة الغزلية والتناص مع الموروث العربي في استدعاء عنترة وسيوفه، لكن اللافت أن الشاعر لا يظل أسير الغزل، بل يحدث انعطافاً درامياً واضحاً من الإعجاب إلى المعاناة: (كل ما أمر يوم ازداد علي سهادي) ، ثم إلى الشكوى من الجفاء والحساد، وصولاً إلى الإحساس بأن العذاب قدر مكتوب، لذلك يمكن قراءة الأغنية باعتبارها نصاً غزلياً ذا مسار درامي متصاعد وليس مجرد أبيات متجاورة في وصف الجمال
لحنياً، قوة العمل في أنه لا يتعامل مع النص باعتباره مادة لفظية فقط، وإنما يحافظ على المساحة الزمنية للجملة الشعرية ويترك للعبارة مجالها التعبيري وهذا مهم في أغنية الطنبور ، فالجملة اللحنية لا تنفصل عن الإيقاع الداخلي للكلمات، كما أن الطنبور يؤدي وظيفة تتجاوز المصاحبة الإيقاعية إلى تشكيل المناخ العاطفي العام ، وفي أداء النعام آدم تحديداً تظهر قيمة التلوين الصوتي والوقفات والمدّ في إبراز مفردات الشجن دون إفراط في الانفعال
صوت النعام آدم منح الأغنية بعداً آخر، فهو صوت ذو كتلة ونبرة مميزة، لكنه لا يستخدم القوة الصوتية لمجرد الاستعراض، بل يوظفها في التعبير عن الوجد، ولذلك تبدو الجملة الغنائية عنده امتداداً للجملة الشعرية، ويصبح الأداء جزءاً من التأليف لا مرحلة لاحقة عليه
مشاركة الفنان المعز تبت تمنح النص إمكانية قراءة جديدة، لأن إعادة أداء أغنية راسخة مثل هذه لا تقوم على استنساخ صوت النعام آدم، وإنما على إعادة إنتاج إحساسها مع الحفاظ على بنيتها الأساسية، فإذا نجح المؤدي في المحافظة على المقام والعبارة والإيقاع والروح التعبيرية، فإنه لا ينافس صاحب التجربة، بل يضع الأغنية في سياق زمني جديد
أثر هذه الاغنية في وجدان المستمع السوداني، يرتبط بقدرتها على الجمع بين خصوصية أغنية الطنبور المحلية وبلاغة الغزل العربي ومفردات العاطفة اليومية
إني من منصتي استمع…..وأقول: (الزول الوسيم) ليست مجرد عمل مرتبط بصوت النعام آدم، بل هي تحول جميل ولذيذ إلى كل الذاكرة السمعية لجمهور واسع… وهذه هي العلامة الأهم للأغنية الناجحة: أن تتجاوز زمن تسجيلها وصاحب صوتها، وتصبح قابلة لإعادة الاكتشاف كلما غناها صوت جديد.

