مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: من ربّى الأفعى… لا يلعن السم

أزبدت الحكومة الإثيوبية وأرغت حينما نشر أحد المواقع التابعة لجيش تيغراي صورًا لاجتماع ضم مدنيين وعسكريين من الطرفين التيغراوي والإريتري
وفي حالة الغضب التي اجتاحتها، قالت إن هذا الاجتماع مخالف للدستور الإثيوبي، وإن من يشارك فيه سيُحاكم بموجب القانون، ويُعد مرتكبًا لجريمة الخيانة العظمى في حق الدولة

موضع الاستغراب هنا هو: لماذا، عندما احتضنت إثيوبيا مرارًا وتكرارًا فعاليات لأعداء الوطن السوداني، وسهّلت انعقادها، بل وفتحت حدودها لعمليات عسكرية انطلقت من أراضيها، لم تتحدث عن الدستور ولا عن الخيانة ولا عن احترام سيادة الدول؟
ولعل استباحة الكرمك من قبل المليشيا، والتي تمت بدعم عسكري ولوجستي إثيوبي، كانت واحدة من الشواهد التي لا تزال حاضرة في الأذهان، ويعلم الجميع حجم الاتهامات التي وُجهت في هذا السياق، فهل كان ذلك متوافقًا مع الدستور الإثيوبي؟ أم أن الدستور لا يُستدعى إلا عندما يقترب الخطر من الداخل الإثيوبي؟
ماذا يُسمّى هذا السلوك؟ أليس هو الكيل بمكيالين؟ أم هو ذلك البيت العربي القديم : “أحرامٌ على بلابله الدوح، حلالٌ للطير من كل جنس؟”
الدولة التي تتعامل بازدواجية المعايير، وتستضيف معارضة دولة أخرى، أو تسمح باستخدام أراضيها للإضرار بجيرانها، ينبغي ألا تستغرب إذا وجدت الآخرين يعاملونها بالمنطق نفسه

السياسة ليست شارعًا ذا اتجاه واحد، ومن يفتح الباب لغيره، عليه أن يتوقع أن يُفتح الباب عليه أيضًا

هذا الاجتماع لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التطورات المتسارعة في المنطقة، فله مؤشرات قوية، وقد يكون مقدمة لتشكيل تحالف جديد يدعم تيغراي، وربما يمتد إلى دعم قوات فانو التي تواصل تمددها في عدد من المناطق، وهو ما يعني أن المشهد الإثيوبي مرشح لمزيد من التعقيد، وأن النار التي ظن البعض أنها ستبقى خارج الحدود ربما بدأت تقترب من الداخل
إني من منصتي أنظر …. حيث اقول : في السياسة، كما في الحياة، لا يستطيع أحد أن يرقص ويُخفي لحيته، ولذلك يبقى المثل السوداني حاضرًا في هذا المشهد: “البرقص ما بغطي دقنو.”
ومن ربّى الأفعى، لا يلعن السم… ومن أطلقها في البرية، لا يندهش إذا عادت يومًا تبحث عن صاحبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى