وجه الحقيقة.. إبراهيم شقلاوي يكتب: جدلية الغلاء والحقوق

من المعلوم أن حقوق الإنسان لا تُقاس بما تمنحه النصوص والإجراءات، بل بما تحميه الدولة في الواقع اليومي. لذلك، حين يحوّل الغلاء الغذاء والصحة والتعليم والتنقل والحياة الكريمة إلى حقوق بعيدة عن متناول المواطنين، فإن الأزمة تتجاوز الاقتصاد إلى المسؤولية السياسية. فالأسعار ليست قدرًا منفصلًا عن السياسات العامة، وقدرة الدولة على حماية القوة الشرائية وإدارة آثار الغلاء جزء من واجبها في صون الحقوق. ومن ثم، فإن استمرار التدهور المعيشي دون سياسات فعالة، يمثل فشلًا للحكومة، كما يكشف عن عجز في الوفاء بالالتزام السياسي تجاه المواطن.
من هذه الزاوية تكتسب جولة الآلية الوطنية لحقوق الإنسان على الولايات دلالتها، وهي تبدأ بولاية الجزيرة للوقوف على استعدادها للمشاركة في إعداد التقرير الوطني وإنفاذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل. فالرهان الحقيقي ليس على اكتمال الإجراءات، وإنما على قدرة هذا المسار على نقل صورة الحقوق من الأوراق إلى حياة الناس وواقعهم المعاش .
وقد يبدو الربط بين الغلاء وحقوق الإنسان تحميلًا للآلية ما ليس من اختصاصها، فهي جهة قانونية وحقوقية وليست جهة اقتصادية معنية بضبط الأسعار أو إدارة معاش المواطنين. لكن المقاربة الصحيحة مختلفة: الآلية لا تعالج الغلاء، وإنما ترصد أثره على الحقوق. فحين يعجز المواطن عن شراء الغذاء، أو يصبح التعليم والدواء والتنقل فوق قدرته، تتحول الكلفة الاقتصادية إلى عائق أمام حق أساسي كفله القانون وهو الحق في الحياة الكريمة. وهنا تظهر الفجوة بين الحق المعلوم والحق المتاح.
هذه الفجوة هي جوهر قضيتنا. فالغلاء ليس انتهاكًا لحقوق الإنسان ، لكنه يصبح شأنًا حقوقيًا عندما تقود آثاره إلى حرمان قطاعات من واسعة من المجتمع من حقوق أساسية. ولذلك فإن مشاركة الولايات ينبغي ألا تكون مجرد عملية لجمع البيانات وتحليلها، بل فرصة لقياس الواقع: ماذا يأكل الناس؟ كيف يحصلون على العلاج؟ ماذا بقي من قدرتهم على التعليم والتنقل؟ وما الذي فعلته السياسات المعلنة لتقليص هذه الفجوات؟
وهنا تنتقل المسألة إلى الحكومة ، لا إلى الآلية. فالحرب تفسر جانبًا كبيرًا من الأزمة، لكنها لا تلغي مسؤولية إدارة آثارها. الحكومة قد لا تستطيع منع ارتفاع الأسعار، لكنها مسؤولة عن البيئة التي تتحرك فيها الأسعار، حماية الإنتاج، تأمين سلاسل الإمداد، مكافحة الاحتكار والمضاربة، تحسين النقل والخدمات، وتأمين السلع الأساسية، وحماية الفئات الأضعف. فطريقة توزيع كلفة الأزمة قرار سياسي بقدر ما هي مسألة اقتصادية.
والخطر الحقيقي أن يصبح التدهور المعيشي طبيعيًا في الوعي العام، وأن يُنظر إلى تراجع القدرة على الغذاء والعلاج والتعليم باعتباره مجرد نتيجة حتمية للحرب. ذلك أخطر من الغلاء نفسه، لأنه يحول الأزمة من حالة استثنائية إلى واقع دائم، ويجعل المواطن هو الحلقة الاضعف الذي يدفع الكلفة الأكبر بينما تتراجع قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة.
ومن هنا لا ينبغي أن يكون الاستعراض الدوري للحقوق مجرد إجراء قانوني، بل أداة لمعرفة أثر السياسات على حياة الناس، أين نجحت، وأين أخفقت، وما الذي يجب تغييره ومن يتحمل مسؤولية ذلك. فقيمة التقرير الوطني لا تقاس بعدد الحقوق التي يسردها، بل بقدرته على كشف الفجوة بين الحق في القانون والحق الذي يستطيع المواطن ممارسته في الواقع.
المعادلة واضحة، الآلية ترصد وتوثق وتوصي، والدولة تضع السياسات وتنفذها و تراقبها ثم تتحمل نتائجها. لكن الفصل بين الاختصاصات يجب ان لا يفصل بين القضايا. فالحقوق تحتاج إلى اقتصاد قادر على إتاحتها، والاقتصاد يحتاج إلى سياسات تحمي الإنسان من دفع ثمن الاختلالات.
وهكذا من خلال ما سبق تتضح جدلية الغلاء والحقوق، فالغلاء لا يختبر قدرة المواطن على الشراء فقط، بل يختبر قدرة الدولة على حماية الحياة الكريمة. وحين تصبح الحقوق المكفولة قانونًا بعيدة عن متناول الناس بسبب كلفة المعيشة، فإن الأزمة تتجاوز الاقتصاد إلى المسؤولية السياسية. وهنا، في تقدير #وجه_الحقيقة، لا تُقاس الدولة بما تنص عليه القوانين، بل بقدرتها على تحويل هذه الحقوق إلى واقع يستطيع المواطن ممارسته.
دمتم بخير وعافية
الأحد 13 سبتمبر 2026م.
Shglawi55@gmail.com
#حقوق_الإنسان #الغلاء #الحق_في_الحياة_الكريمة #القدرة_الشرائية #السياسات_العامة #المسؤولية_السياسية #الاقتصاد_السوداني #الحماية_الاجتماعية #الاستعراض_الدوري_الشامل #السودان#إبراهيم_شقلاوي

