مدارات.. عوض عباس يكتب: يومآ من ايام الشهادة السودانية

جاءت نتائج الشهادة السودانية للعام 2026 بنسبة نجاح بلغت 69%، لكن بعض الأرقام لا تُقرأ بالأرقام وحدها؛ لأنها تختبئ خلفها حكايات طويلة من السهر، والقلق، والدعاء، والانتظار. وفي مقدمة هذه الحكايات، كالعادة، جاءت مؤسسة الدكتور أبوذر الكودة لتكتب فصلاً جديداً من التفوق والتميز، مؤكدة أن التعليم السوداني حين يجد البيئة المناسبة يستطيع أن يصنع الفارق.
أن تأتي الطالبة تقى النور محمد من فرع القاهرة في المركز الأول على مستوى السودان، وأن تحل منه هشام إسماعيل، من المؤسسة نفسها، في المركز الثاني، فهذه ليست مجرد نتيجة في كشف امتحانات؛ وراء كل اسم مقعدٌ شهد ساعات طويلة من المذاكرة، ودفاتر امتلأت بالأسئلة والإجابات، وأسرة عاشت عاماً كاملاً على أعصابها، وأم رفعت يديها بالدعاء، وأب أخفى قلقه خلف كلمات التشجيع.
ثم يأتي الرقم 51 طالباً وطالبة من المؤسسة ضمن الناجحين، ليصبح الرقم في حقيقته 51 بيتاً ينتظر الفرح، و51 أسرة تترقب الهاتف، و51 لحظة ينقلب فيها القلق إلى زغاريد ودموع واحتضان. أما وجود 4 من العشرة الأوائل على مستوى السودان، فهو مشهد آخر من مشاهد الاكتساح، حيث لا يعود التفوق حالة فردية، وإنما يتحول إلى ثقافة ومشروع تعليمي متكامل.
وفي فروع المملكة، حمل 8 طلاب نجاح المؤسسة إلى الرياض وجدة وخميس مشيط والدمام، في صورة أخرى تؤكد أن الكودة لم تعد مجرد مدرسة، بل جسر يعبر به التعليم السوداني إلى أبنائه أينما كانوا.
وفي خميس مشيط تحديداً، كان للنجاح طعم مختلف.
دعت إدارة الفرع أولياء الأمور لحضور المؤتمر الصحفي وإعلان النتائج، فامتلأت القاعة بالآباء والأمهات، وكل واحد منهم يحمل في قلبه قصة عام كامل. عيون معلقة بالمنصة، وأيدٍ تتشابك من شدة التوتر، وابتسامات تحاول إخفاء القلق. وحين بدأ إعلان الأسماء، كان المشهد يتبدل مع كل اسم: تصفيق، ابتسامة، حضن، دمعة، وتهنئة تنتقل من مقعد إلى آخر.
وحين أُعلن تفوق ريان ضياء الدين وإباء المعتز بالمركز الأول في الفرع بنسبة 95.5%، وحصول محمد المختار على 94.9%، لم تعد القاعة بحاجة إلى مكبرات صوت؛ فقد تكفلت الفرحة وحدها بإعلان النتيجة.
وهنا تبدو العلاقة بين المدرسة والأسرة أكثر دفئاً من مجرد علاقة تعليمية. المعلم يفرح لنجاح طالبه كما يفرح الأب، والأم تهنئ أمّاً أخرى، والطلاب يتقاسمون الفرح كأن النجاح شهادة جماعية.
وهنيئاً للكودة، وللدكتور أبوذر، ذلك القبطان الشاب الطموح، ولكل المعلمين والمشرفين والعاملين والطلاب والطالبات.
مدار أخير
هنا النجاحُ ليس رقماً في شهادة،
بل فرحةٌ تُرى في عيون الأمهات،
وفخرٌ يسكنُ قلوب الآباء،
ودمعةُ معلّمٍ خبّأها خلف ابتسامة.
هنا التفوقُ حكايةُ تعبٍ طويل،
حتى أشرقت النتائجُ كالفجر الجميل.

