وجه الخير أماني الأمين (أخت الكلس) تكتب: كيف نصنع مجتمع الفضيلة؟

الفترة الأخيرة كشفت أن “المحافظة” وحدها لا تكفي، وليست ضمانة كافية. فقد نجد قيماً موروثة راسخة، لكن مع أول هزة من تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي وضغوط الحياة، تظهر بعض مظاهر التفلت. لذلك يبرز السؤال: كيف نعود إلى البناء بدلاً من الجلد واللوم؟
إن مجتمع الفضيلة لا يُبنى بالشعارات، وإنما يُبنى بالسلوك القويم، والأخلاق الحميدة، والحكمة في التعامل.
فالفضيلة لا تأتي صدفة، ولا تُباع ولا تُشترى، بل تُغرس وتُزرع كما تُزرع الشجرة، ثم تُرعى وتُتابع وتُدعم حتى تشتد جذورها وتستطيع الصمود أمام رياح الفتن والإغراءات التي أصبحت تتعدد وتتجدد بأشكال مختلفة.
إذا أردنا أن نكون مصلحين ومرشدين وأصحاب رسالة وهدف، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا قبل غيرنا، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.
فالأب الصادق، والأم الجديرة بالاحترام، والشاب صاحب المبادرة والخلق الحسن، جميعهم يمثلون اللبنات الأولى في بناء الأسرة والمجتمع.
وليس من المنطق أن نطالب بجيل فاضل بينما نكون نحن قدوته في صورة مقلوبة. لذلك نتفق جميعاً على أن البيت هو المصنع الأول للقيم.
فالتربية ليست محاضرات تُلقى، وإنما هي مواقف عملية ودروس مباشرة. فالطفل الذي يرى والده صادقاً في حديثه سيتعلم الصدق، والذي يشاهد والده يعيد الحقوق إلى أصحابها سيتعلم الأمانة.
وكذلك الفتاة التي تنشأ وهي ترى أمها نموذجاً للأخلاق النبيلة، من احترام الزوج وتقدير أهله وإكرام ضيفه وصون كرامته وستر عيوبه والاهتمام بمظهرها لأجل أسرتها، فإنها تتشرب قيماً وأخلاقاً قد لا تجد لها مثيلاً في أي مكان آخر.
فالقدوة تصنع أكثر مما تصنعه ألف خطبة، لأن الناس يتأثرون بالتطبيق العملي أكثر من التأثر بالكلام النظري.
ومن أكبر المعضلات التي تواجه الشباب اليوم مشكلة الفراغ، وهي من أخطر التحديات. فإذا استطعنا أن نملأ هذا الفراغ بما هو نافع قبل أن تملأه المؤثرات السلبية، فإننا نكون قد حمينا أبناءنا من كثير من مظاهر الانحراف.
والوسائل التي تساعد على ذلك كثيرة، وفي مقدمتها التمسك بكتاب الله والعمل بما جاء فيه، واتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
كما أن الدورات التدريبية، والورش، والمبادرات المجتمعية، وحملات التطوع، وربط الشباب بمساحات الإبداع والابتكار، كلها وسائل تسهم في استثمار أوقاتهم فيما ينفعهم، قبل أن تستحوذ عليهم وسائل التواصل الاجتماعي بما تحمله أحياناً من تفاهات مدمرة للفكر والأخلاق.
وهناك ممارسات عديدة يمكن أن نحرص عليها باعتبارها رسائل إيجابية للأجيال، مثل تكريم المعلم الوفي، والتاجر الصادق الأمين، والفتاة المحتشمة بأدبها، والشاب الخلوق صاحب المبادرات المجتمعية. فهذه النماذج الملهمة تسهم في ترسيخ القيم وتغيير المجتمع نحو الأفضل.
كيف ننتقد دون تجريح؟
النقد البنّاء يُصلح، أما النقد الذي يستهدف الأشخاص فيجرح ويثبط الهمم.
وفي كثير من الأحيان لا تكمن المشكلة في النقد نفسه، وإنما في أسلوبه وطريقة طرحه. فإذا أردنا الإصلاح، فعلينا أن نهاجم السلوك الخاطئ لا الشخص نفسه.
فبدلاً من أن نقول: “فلان فاسد”، يمكن أن نقول: “هذا السلوك مرفوض”.
فعندما نفصل الفعل عن الفاعل، نفتح باب التوبة والمراجعة، أما عندما نلصق التهمة بالشخص فإننا نغلق أمامه أبواب التغيير.
وهذا ما تعلمناه من المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم، إذ كان يقول: “ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا”.
فالنقد العام يحفظ ماء وجه المخطئ، ويمنحه فرصة لمراجعة نفسه دون فضيحة أو إحراج.
كما ينبغي أن نتجنب التعميم غير المنضبط وذكر الأماكن أو المجتمعات عند تناول القضايا التي تمس سمعة الناس وكرامتهم، حتى لا نظلم الأبرياء أو نلحق الضرر بمجتمعات كاملة بسبب تصرفات أفراد معدودين.
فالستر شريعة، والفضح خيانة.
وإذا أردنا الإصلاح الحقيقي فعلينا أن نبحث عن الحلول بدلاً من إطلاق الاتهامات جزافاً، وأن نجتهد في معرفة الأسباب التي دفعت بعض الشباب إلى سلوك الطرق الوعرة والانحرافات الأخلاقية.
فالسؤال يفتح العقول، أما الاتهام فيغلق القلوب.
الخلاصة
مجتمع الفضيلة ليس بالضرورة مجتمعاً خالياً من الأخطاء، فالبشر خطاؤون وليسوا ملائكة.
لكنه مجتمع لا يخلو من أناس يسترون ويعالجون ويصلحون، بدلاً من أن يفضحوا ويشمتوا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
فلنكن جيل البناء لا جيل الهدم، نغرس القيمة قبل أن نحارب العيب، ونتذكر دائماً أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الكلمة الجارحة قد تترك أثراً مؤلماً لا يزول بسهولة.
فلتكن رسالتنا الإصلاح بالحكمة، والبناء بالمحبة، والتغيير بالقدوة الحسنة.

