115 جوالاً.. مرتان في 5 أيام تضعان اقتصاد نهر النيل أمام الخطر

تقرير: هيثم موسى
ليست المصادفة في الرقم وحدها ما يلفت الانتباه؛ فخلال خمسة أيام فقط، ضبطت الأجهزة الشرطية في ولاية نهر النيل 115 جوالاً من النحاس في كل واحدة من ضبطيتين منفصلتين، لتكشف الضبطيتان معاً عن نشاط يحتاج إلى قراءة تتجاوز حدود البلاغات الجنائية، بالنظر إلى ما يمثله تهريب النحاس من استنزاف للاقتصاد وتخريب للبنية التحتية وإهدار لموارد البلاد.
ففي الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، تمكنت شرطة مكافحة المخدرات فرعية الدامر، خلال مداهمة أمنية بمنطقة العكد، من ضبط 115 جوالاً من النحاس، إلى جانب عربة «لوري» وعربة «برادو»، وتوقيف خمسة متهمين، فيما باشرت الشرطة الإجراءات القانونية وواصلت تحرياتها للوصول إلى مصادر المضبوطات وكشف ملابسات الواقعة.
وبعد خمسة أيام فقط، جاءت ضبطية أخرى بالعدد نفسه، 115 جوالاً من النحاس، ليقف والي نهر النيل الدكتور محمد البدوي عبدالماجد أبوقرون، اليوم الأحد 13 سبتمبر، على الضبطية بمركز شرطة الدامر القسم الأوسط، بحضور أعضاء اللجنة الأمنية بالولاية ومدير شرطة محلية الدامر وقيادات الشرطة.
وأشاد الوالي بيقظة الشرطة والأجهزة الأمنية والأداء المميز في التصدي للأنشطة التي تهدد أمن واقتصاد الولاية، مؤكداً أن التهريب يمثل أحد المهددات الرئيسية للاقتصاد الوطني، ومثمناً جهود القوة التي نفذت الضبطية وأوقفت المتورطين.
الرقم المتكرر.. رسالة لا ينبغي تجاهلها
أن تتكرر كمية 115 جوالاً من النحاس في ضبطيتين خلال أقل من أسبوع، ليس تفصيلاً عابراً؛ فهو مؤشر يستحق التوقف أمامه، خصوصاً إذا ما وضع في سياق ما يمكن أن يترتب على تهريب النحاس من خسائر تتجاوز قيمة المضبوطات نفسها.
فالنحاس يدخل في مكونات أساسية للبنية التحتية، ولا سيما شبكات الكهرباء والاتصالات والمنشآت والخدمات، وسرقة مكوناتها لا تعني فقط فقدان معدن يمكن بيعه، وإنما قد تعني تعطيل خدمة، وإتلاف منشأة، وتحميل الدولة كلفة إضافية لإعادة التأهيل والصيانة.
وهنا تكمن الخطورة الأكبر على اقتصاد ولاية نهر النيل؛ إذ إن كل عملية تخريب أو سرقة لمكونات البنية التحتية تنعكس بصورة مباشرة على حركة الإنتاج والخدمات، وتزيد الأعباء المالية على الدولة والمواطن، في وقت تحتاج فيه الولاية إلى توجيه مواردها نحو التنمية وتحسين الخدمات ودعم النشاط الاقتصادي.
التهريب يستنزف الاقتصاد مرتين
الخطر لا يتوقف عند خروج النحاس من حيازة الدولة أو المواطنين بطرق غير مشروعة، بل يمتد إلى تكلفة معالجة آثار الجريمة.
فالاقتصاد يخسر قيمة ما يتم تهريبه أو تخريبه، ثم يدفع مرة أخرى مقابل استبدال المسروقات وإصلاح الأضرار وإعادة تشغيل الخدمات المتأثرة.
ومن هنا فإن التعامل مع تهريب النحاس باعتباره مجرد نشاط للحصول على المال بصورة غير مشروعة يقلل من حجم المشكلة؛ لأن آثار هذه الجرائم قد تمتد إلى قطاعات اقتصادية وخدمية كاملة.
المطلوب الوصول إلى الشبكات لا الاكتفاء بالمضبوطات
الضبطيات الأخيرة تؤكد أهمية استمرار الحملات الأمنية، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً أكثر أهمية: من أين يأتي النحاس؟ وإلى أين يذهب؟ ومن يقف خلف عمليات جمعه ونقله وتصريفه؟
وهذه الأسئلة يجب أن تكون في صميم التحريات، لأن توقيف المتهمين في مواقع الضبط يمثل خطوة أولى، بينما تظل المواجهة الحقيقية في تفكيك الشبكات التي تقف وراء عمليات السرقة والتهريب والتعامل مع المسروقات.
وأكد مدير شرطة ولاية نهر النيل اللواء شرطة حقوقي د. قرشي السر السيد أن الشرطة ماضية في ملاحقة كل من يحاول العبث بأمن الولاية واقتصادها، مشيراً إلى أن الضبطية تمثل تخريباً للاقتصاد الوطني والبنية التحتية، ومشيداً بمتابعة والي الولاية واللجنة الأمنية للضبطيات والجهود الرامية إلى حماية الاقتصاد والولاية.
محاسبة رادعة حتى لا يتحول التهريب إلى نشاط مربح
أمام خطورة ما تكشفه هذه الضبطيات، تصبح المحاسبة القانونية الرادعة ضرورة وليست خياراً، مع استكمال التحريات والوصول إلى جميع المتورطين، سواء كانوا منفذين أو وسطاء أو جهات تستقبل المسروقات وتعيد إدخالها إلى الأسواق.
فالرسالة التي ينبغي أن تصل إلى المهربين واضحة: اقتصاد الولاية ليس مباحاً، والبنية التحتية ليست غنيمة، وممتلكات الدولة والمواطنين ليست مصدراً للثراء غير المشروع.
وإذا كانت الشرطة قد نجحت في ضبط 230 جوالاً من النحاس في ضبطيتين متقاربتين زمنياً، فإن الأهم من الرقم هو أن تتحول هذه الضبطيات إلى نقطة انطلاق لحملة أوسع تكشف مصادر النحاس المهرب ومساراته والجهات المستفيدة منه.
إن حماية اقتصاد نهر النيل تبدأ من حماية موارده وبنيته التحتية، ومواجهة التهريب بحزم، وتجفيف الأسواق التي تشجع عليه، وإنزال العقوبات القانونية بحق من تثبت إدانته، حتى يكون الجزاء عظة وعبرة، ولا يتحول التهريب إلى نشاط يجد طريقه إلى الربح على حساب الدولة والمواطن.

