مقالات

موازنات.. الطيب المكابرابي يكتب: في زيارتي الثالثة.. عجبت أكثر لفعلك يا جيشنا العظيم

قضيت جزءًا من يوم السبت قبل الماضي، وكل يومي الأحد والاثنين، وجزءًا من يوم الثلاثاء داخل ولاية الخرطوم، متنقلًا بين مدنها الثلاث. وكان هذا التنقل مختلفًا عن تنقلي خلال الزيارتين الأوليين، إذ إن طبيعة الأوضاع وما تحقق من أمن أكبر وتغييرات هنا وهناك أتاحت فرصة النظر إلى كثير من الأشياء بعين مختلفة عن السابقة.

تفحصت كثيرًا من الشوارع والمباني والعمارات والحدائق والأسوار الموجودة على جنبات الطرق، فعجبت وتعجبت مما كان عليه حال البلد، وكيف أن الأوغاد سيطروا وتمركزوا وتمكنوا وتحصنوا، وكيف استطاع جيشنا العظيم تخليص هذه الأماكن وهذه المباني ممن احتلوها، ونظف كل شبر منها، ولم يبق منهم إلا الأثر.

من ينظر إلى هذه البنايات والطرقات يجد أن كل مبنى قد اخترقته مئات الطلقات من الذخيرة الخفيفة، وعدد من الدانات وطلقات المدافع، ما يدل على إصرار الأوغاد على البقاء متحصنين، وإصرار جيشنا العظيم وعزمه على طرد المعتدين الغاصبين.

ما تراه الأعين وما يمر عليه الناس يؤكد أن معارك حاسمة وفاصلة خاضتها قواتنا المسلحة، وأن تحرير وطرد الأوغاد من أمتار قليلة فقط قد يستغرق أيامًا.

وبرغم كل هذه التحصينات، واختيار مواقع التحصن منذ وقت مبكر من قبل العدو، عادت الخرطوم نظيفة، وخلا كل شبر فيها من الدنس، عبر صبر ومثابرة وخبرة بفنون الحرب والقتال امتلكها جيشنا العظيم.
هذا المجهود وهذه التضحيات، وفقًا لجولتي في بعض الأحياء، لم يقابلهما من الجهد المدني ما يعيد الخرطوم إلى ما كانت عليه.
فأحياء مثل اللاماب لم تدخلها الكهرباء بعد، ولم يتم تركيب المحولات ليعود الناس إلى بيوتهم وأسواقهم.

كما أن بعض مؤسسات الدولة لم يدخلها بشر حتى الآن، ومؤسسات الفعل الثقافي، وعلى رأسها الإدارة العامة للفنون ومجلس المصنفات وغيرهما، لم تمتد إليها يد تعيد لها سيرتها أو تبدأ العمل في إعادة إعمارها، وهي المؤسسات المعنية بالفعل الثقافي ومعالجة ما ألم بالمجتمع من تصدعات.

كما أطلت بعض مظاهر الفوضى برأسها في عدد من مناطق أم درمان، فعادت بائعات الشاي في مشاهد فوضوية هنا وهناك، وأصبح زحام الركشات وعدم الانتظام والالتزام بالنظام واضحًا في موقف الشهداء وجاكسون وغيرهما من مواقف المواصلات.

أما المواصلات في عاصمة خرجت من الحرب وينعدم فيها الوقود في بعض الأوقات، فإن أسعارها أقل من أسعار المواصلات في ولاية نهر النيل؛ فالمسافة مهما طالت، والخط مهما كان طويلًا، لا تتجاوز تعرفته ثلاثة آلاف جنيه، في حين نجدها هنا تتجاوز ثمانية آلاف جنيه لمسافات تقارب تلك المسافات.

ومع الأيام الأولى لتحرير الخرطوم، كان الحديث والتركيز منصبًا على تجاوز فوضى وعشوائية الخرطوم السابقة، وبناء نظام حياة جديد، ولكن ما رأيته مؤخرًا يقول إننا على ذات الدرب القديم سائرون، وذلك أمر ننتظر أن يتم الالتفات إليه عاجلًا، والتعامل بصرامة مع محدثي الفوضى والمتسببين في الحياة العشوائية، حيثما كانوا وبأي شكل كان.
وكان الله في عون الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى