الصفر البارد.. جلال الدين محمد ابراهيم يكتب: لماذا لا تحتكر الحكومة انتاج وصادر الذهب كما فعلت في الوقود؟

في صدمة اقتصادية غير مسبوقة ، ها هو سعر قيمة الجنيه يقترب من حاجز 5000 جنيه مقابل الدولار الأمريكي الواحد! ! . هذا الانهيار الذي لم تشهد البلاد مثيلاً له من قبل ، يضعنا أمام لحظة حقيقة لا ينفع فيها المجاملات والتراخي ،، إما قرارات جريئة تعيد الأمور إلى نصابها، أو استمرار النزيف الذي يلتهم ما تبقى من مقدرات الشعب.
في هذا السياق، وقفت الحكومة مؤخراً أمام خيار صعب حين قررت احتكار استيراد البترول والمواد البترولية عبر القطاع العام، مستبعدة الشركات الخاصة التي كانت تستورد الوقود. البعض قد يتحفظ على هذا القرار، متخوفاً من ارتباك حركة النقل أو ارتفاع غير محسوب للأسعار. لكني أرى أن هذا القرار، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، هو قرار سليم مؤقتاً، وجيد جداً بامتياز للظرف الحالي فقط.
لقد كانت شركات استيراد الوقود الخاصة المصدر الأكبر للطلب على الدولار في السوق الموازية، إذ كانت تحتاج إلى سيولة ضخمة لتوفير شحناتها، مما ساهم في تسريع وتيرة انهيار العملة. عندما تتولى الحكومة الاستيراد مباشرة، فإنها تسحب هذه الكتلة الهائلة من الطلب على العملة الصعبة، وتعطي بنك السودان فرصة للتقاط الأنفاس ومحاولة السيطرة على السوق. حتى لو تسبب تعديل الأسعار المحلية في موجة تضخم مؤقتة، فإن وقف نزيف انهيار الجنيه السوداني هو ضرورة قصوى لإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد.
الذهب: الحلقة المفقودة في المعادلة
إذا كنا قد أيقنا أن احتكار استيراد الوقود قرار استراتيجي لمرض معقد، فإن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا لا تحتكر الحكومة الذهب أيضاً؟
و كلنا نعلم بان الوقود يمثل استنزافاً للعملة الصعبة، أما الذهب فهو مصدرها الواعد. اليوم، قطاع التعدين الأهلي والشركات الخاصة يعمل في حالة من الفوضى، والكثير من عائدات هذا المعدن النفيس تهرب عبر الحدود ولا تصل إلى خزينة الدولة. نحن بحاجة ماسة إلى نسخ التجربة الرائدة التي قام بها ذلك الشاب الوطني، (رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري)، الذي أقدم على خطوة جريئة قبل يومين من الان فقط حيث قام بطرد الشركات الأجنبية واحتكار تعدين الذهب وتجارته، فإذا بهذه الدولة تنعش اقتصادها وترفع قيمة عملتها في ظرف 24 ساعة من القرار.
هذه ليست دعوة للعزلة، بل هي دعوة للتعلم من النماذج الناجحة. دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية، تعاملت مع ثرواتها النفطية والتعدينية (الذهب بصفة خاصة) بنفس العقلية، فاحتفظت بالسيطرة على وارداتها النقدية وحافظت على استقرار عملاتها لعقود. الذهب السوداني يُهرَّب ويُباع بأسعار بخسة خارج إطار الدولة، بينما الشعب يعاني الجوع والمرض وغلاء الدواء. وهناك من يصنع لنفسه أرصدة مالية في بنوك أوروبية أو خليجية أو غيرها، المهم أن كل ما يُنهب من الذهب يتم إيداع أمواله في بنوك خارجية، فلا يستفيد السودان حتى من عائد الصادر.
الوضع لا يحتمل “الكلام المعسول” أو الإجراءات الباردة. آن الأوان لحكومة حازمة تفرض واقعاً جديداً يخدم الدولة والشعب، وليس فقط فئة منتفعة عاشت على ثروات الوطن. إغلاق باب التعدين الأهلي، وحصر تصدير وبيع الذهب في مؤسسات الدولة وحدها، هو القرار “النيِّر” الذي سيخلق توازناً حقيقياً، ويوفر الغطاء النقدي للجنيه، ويكون الرد العملي على انهيار الـ 5000 جنيه. إذا كانت الحكومة قادرة على احتكار استيراد المحروقات لإنقاذ ما تبقى، فهي قادرة على احتكار الذهب لنهضة السودان القادمة.
آخر المداد:-
إذا لم تتخذ احكومة الامل خطوات جريئة وقوية لصالح الشعب، فلا فائدة منها، وأفضل أن تقدم استقالاتها ،، و إذا لم تصنع للشعب ما يريد. فكل حكومات العالم تعمل من أجل الشعب، وليس كما يُفرض علينا أن يعمل الشعب لصالح الحكومة فقط بدون عائد للشعب. فهذا لا يكون ! ! . إلا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

