مقالات

مشاهدات.. خليل فتحي خليل يكتب: حين تهدم الحرب سنوات العمر في ساعات.. ويحتاج البناء إلى أجيال

من السهل أن تُشعل الحروب نارها، ومن الصعب أن تُطفأ آثارها. ففي ساعات قليلة قد تنهار مدن كانت تضج بالحياة، وتسقط مؤسسات شُيِّدت بعرق السنين، وتتحول الأحلام الجميلة إلى ذكريات موجعة.
الحرب لا تكتفي بهدم المباني والجسور والطرق، بل تمتد أياديها القاسية إلى الإنسان نفسه، فتعبث بالنفوس، وتبعثر الأسر، وتمزق النسيج الاجتماعي الذي ظل متماسكاً لعقود طويلة.

الحروب في بدايتها تبدو وكأنها حدث عابر، لكنها في حقيقتها زلزال يغيِّر ملامح الأوطان.

فمن السهل أن تهدم قذيفة مدرسة بُنيت خلال سنوات، أو مستشفى خدم آلاف المرضى، أو مصنعاً وفر فرص عمل لمئات الأسر. ولكن إعادة تشييد هذه المؤسسات لا تحتاج إلى المال وحده، بل إلى الأمن والاستقرار والعقول والخبرات والإرادة الوطنية الصادقة.

كم من مدينة كانت تنبض بالحياة وتحولت إلى أطلال خلال أيام معدودة. الأسواق التي كانت تعج بالحركة خلت من روادها، والمزارع التي كانت تمد الناس بالغذاء أصبحت أرضاً جرداء، والمنازل التي شهدت أفراح الأسر وضحكات الأطفال أصبحت جدراناً صامتة تروي حكايات الألم والفقد.

كل ذلك يحدث بسرعة مذهلة، بينما يحتاج التعافي إلى سنوات طويلة، وربما إلى أجيال كاملة.

الحرب لا تدمر الحجر فحسب، بل تضرب الإنسان في أعز ما يملك. فالطفل الذي يفقد حقه في التعليم يحتاج إلى سنوات لتعويض ما فاته، والأسرة التي تفقد عائلها تعاني زمناً طويلاً قبل أن تستعيد توازنها، والشباب الذين تبتلعهم ساحات الصراع كان بإمكانهم أن يكونوا بناةً للغد وصناعاً للمستقبل.

ولعل أخطر ما تهدمه الحروب هو الثقة بين الناس. فإعادة بناء الجسور والطرق أمر ممكن، لكن إعادة بناء النفوس التي أنهكتها المعاناة أصعب بكثير. فالسلام الحقيقي لا يقوم على إسكات صوت الرصاص فحسب، بل يقوم على ترميم العلاقات الإنسانية وإحياء روح التسامح وقبول الآخر، حتى تعود المجتمعات إلى سابق عهدها.

لقد علمتنا تجارب الشعوب أن البناء يحتاج إلى الصبر والعمل والتخطيط، بينما الهدم لا يحتاج إلا إلى لحظة غضب أو قرار طائش. فالمدرسة التي تستغرق سنوات لتشييدها قد تسقط في دقائق، والطبيب الذي يحتاج إلى عشرات السنين حتى يكتسب خبرته قد يرحل في لحظة، والمزارع الذي يزرع الأرض عاماً كاملاً قد يفقد محصوله في ليلة واحدة بسبب الحرب.

ومن المؤلم أن تدفع الأجيال القادمة ثمن أخطاء لم ترتكبها. فالطفل الذي يولد وسط الدمار لا يعرف شيئاً عن أسباب الحرب، لكنه يجد نفسه مجبراً على تحمل نتائجها. ولذلك فإن مسؤولية الحفاظ على الأوطان ليست مسؤولية جيل واحد، بل هي أمانة تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.

إن الأمم العظيمة لا تُقاس بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على صناعة السلام، لأن السلام هو البيئة التي تزدهر فيها الثقافة والتعليم والاقتصاد والتنمية. وما من وطن تقدم إلا حين انتصر لصوت العقل، وآمن بأن الإنسان هو أغلى ثرواته، وأن الحفاظ عليه مقدم على كل شيء.

الحرب تستطيع أن تهدم كل شيء بسرعة مخيفة، لكنها تعجز عن قتل إرادة الشعوب التي تؤمن بالحياة. غير أن الحكمة تقتضي أن نحافظ على ما بنيناه، وأن نغلِّب لغة السلام على لغة الصراع، لأن ما يُهدم في ساعات قد يحتاج إلى سنوات طويلة وأجيال متعاقبة حتى يعود كما كان.

فالأوطان لا تُبنى بالخراب، وإنما تُبنى بالعقول والسواعد والمحبة، والسلام يظل دائماً أعظم انتصار يمكن أن تحققه الشعوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى