د. محمد إحسان يكتب: معضلة الانتخابات الإسرائيلية: نتنياهو يتصدر السباق، لكن هل يستطيع ضمان مستقبله؟

وضعت الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مجدداً في قلب المشهد السياسي المتعلق بمستقبل البلاد، كاشفةً عن قدرة قيادته على الصمود، وعن الانقسامات العميقة التي لا تزال تشكّل ملامح المجتمع الإسرائيلي. وعلى الرغم من تصدّر حزب الليكود، الذي يقوده، القوى المتنافسة في السباق الانتخابي، فإن الانتخابات لم تسفر عن نتيجة حاسمة يحتاج إليها للحكم بأريحية. وبدلاً من ذلك، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة سياسية مألوفة، لا تترجم فيها القوة الانتخابية بالضرورة إلى أغلبية برلمانية. ولم يعد السؤال الأساسي يقتصر على ما إذا كان نتنياهو يستطيع الفوز بأكبر عدد من المقاعد، بل أصبح يتعلق بقدرته على تشكيل حكومة قادرة على الصمود أمام التحديات السياسية والأمنية والدبلوماسية التي تواجه البلاد.
وتشير النتائج المتوقعة إلى مشهد سياسي منقسم بصورة متقاربة. فمن المتوقع أن يحصل معسكر نتنياهو اليميني على نحو 53 إلى 54 مقعداً في الكنيست، المؤلف من 120 عضواً، في حين يُتوقع أن تفوز المعارضة، بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، بنحو 48 إلى 49 مقعداً. وقد تحصل الأحزاب التي يقودها عرب مجتمعةً على عدد مهم من المقاعد المتبقية، بما قد يمنحها نفوذاً كبيراً في تشكيل الحكومة المقبلة. ومع الحاجة إلى 61 مقعداً لتحقيق الأغلبية البرلمانية المطلقة، لا يبدو أن أياً من المعسكرين الرئيسيين يمتلك طريقاً واضحاً ومباشراً إلى السلطة. وعلى الرغم من أن التوزيع النهائي للمقاعد لا يزال رهناً باكتمال عملية الفرز، فإن الواقع السياسي بات واضحاً بالفعل: قد يتصدر نتنياهو السباق، لكنه لم يضمن بعد العدد اللازم من المقاعد للحكم من دون مفاوضات صعبة.
ويُعد هذا التمييز أساسياً لفهم السياسة الإسرائيلية. فالنظام الانتخابي في البلاد يسمح للأحزاب بالتنافس على التمثيل البرلماني، لكن رئيس الوزراء يعتمد في نهاية المطاف على قدرته على بناء ائتلاف يحظى بدعم كافٍ داخل الكنيست. فقد يصبح حزب ما القوة السياسية الأكبر، ومع ذلك يواجه صعوبة في تشكيل الحكومة، بينما تستطيع مجموعة من الأحزاب الصغيرة، مجتمعةً، تحديد هوية رئيس الوزراء. ولذلك، تمثل الانتخابات بالنسبة إلى نتنياهو فرصة واختباراً في آن واحد. فأداء حزبه يثبت احتفاظه بقاعدة سياسية كبيرة، لكن غياب أغلبية واضحة يكشف حدود قدرته على تحويل هذا الدعم إلى تفويض فعّال للحكم.
ويُعد استمرار نتنياهو لاعباً سياسياً مؤثراً أمراً لافتاً، بالنظر إلى حجم التحديات التي واجهتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة. فقد غيّرت الهجمات التي قادتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، وما أعقبها من حرب في غزة، البيئة الأمنية للبلاد بصورة جوهرية، وكثّفت التدقيق الشعبي في أداء الحكومة. وبالنسبة إلى أنصاره، لا يزال نتنياهو قائداً متمرساً قادراً على مواجهة أعداء إسرائيل، والحفاظ على قوتها العسكرية، والتعامل مع مشهد إقليمي متقلب. ولا يزال تركيزه على الأمن القومي والردع يحظى بتأييد الناخبين الذين يعتقدون أن إسرائيل لا تستطيع تحمل تغيير كبير في قيادتها خلال فترة من عدم الاستقرار المستمر.
لكن الظروف نفسها التي عززت جاذبية نتنياهو لدى بعض الناخبين عمّقت أيضاً المعارضة لقيادته. إذ يشكك منتقدوه في مدى استعداد الحكومة قبل هجمات 7 أكتوبر، وفي طريقة إدارتها للحرب، وفي غياب استراتيجية مقنعة طويلة الأمد لتحقيق أمن مستدام. ويرون أن العمليات العسكرية وحدها لا تستطيع معالجة الحقائق السياسية المحيطة بقطاع غزة، أو ضمان عدم وقوع هجمات مماثلة في المستقبل. ولا تزال قضايا المساءلة، ومستقبل الرهائن الإسرائيليين، والعلاقات مع الفلسطينيين، والتوازن بين الأولويات الأمنية والمؤسسات الديمقراطية، في صلب النقاش الوطني. ولذلك، فإن مستقبل نتنياهو السياسي لن يعتمد فقط على قدرته على تقديم نفسه مدافعاً عن إسرائيل، بل أيضاً على مدى اعتقاد الناخبين بأن قيادته قادرة على تحقيق مستقبل أكثر أمناً واستقراراً ويمكن التنبؤ بمساره.
وتواجه المعارضة تحديات كبيرة بدورها. فقد سعى غادي آيزنكوت إلى تقديم نفسه بديلاً موثوقاً، جامعاً بين خلفيته العسكرية والتعهد بإحداث تغيير سياسي. ويعكس حضوره رغبة قطاع مهم من الناخبين في تجاوز هيمنة نتنياهو الممتدة، من دون التخلي عن أهمية الأمن القومي. غير أن معارضة نتنياهو لا تعني الاتفاق على ما ينبغي أن يحل محله. فالمعارضة تضم أحزاباً تختلف مواقفها بشأن الدين، والخدمة العسكرية، والإصلاح القضائي، والقضية الفلسطينية، ودور الممثلين السياسيين العرب. وقد تجعل هذه الاختلافات مفاوضات تشكيل الائتلاف شديدة الصعوبة، حتى إذا تمكنت المعارضة من حشد الدعم البرلماني الكافي لتحدي رئيس الوزراء الحالي.
وبناءً على ذلك، قد تصبح الأحزاب التي يقودها عرب إحدى أكثر القوى تأثيراً في مفاوضات ما بعد الانتخابات. فقد يمنحها تمثيلها البرلماني القدرة على التأثير في تحديد ما إذا كان نتنياهو سيعود إلى منصبه، أم ستصبح هناك إمكانية لتشكيل حكومة بديلة. غير أن دورها المحتمل يكشف تناقضاً مستمراً في السياسة الإسرائيلية. فالمواطنون العرب يشاركون في الانتخابات وينتخبون ممثلين قادرين على التأثير في موازين القوى، لكن الأحزاب اليهودية الكبرى لا تزال مترددة في الاعتماد على الأحزاب العربية بوصفها شركاء رسميين في الائتلاف الحكومي. ويضيّق هذا التردد خيارات المعارضة، وقد يصب في نهاية المطاف في مصلحة نتنياهو، لأنه يجعل تشكيل أغلبية بديلة أكثر صعوبة. وقد يكون استعداد القادة السياسيين لإعادة النظر في مواقفهم عاملاً حاسماً في تحديد الحكومة المقبلة.
وإذا نجح نتنياهو في تشكيل ائتلاف حكومي آخر، فلا ينبغي لإسرائيل بالضرورة أن تتوقع فترة من الهدوء السياسي. فقد تتعرض حكومة تعتمد على أحزاب دينية وأخرى من اليمين المتطرف لضغوط تدفعها إلى اتباع سياسات متشددة تجاه الفلسطينيين والضفة الغربية المحتلة والإصلاح القضائي والأمن العسكري. وقد يمارس شركاء الائتلاف الأصغر حجماً نفوذاً غير متناسب على القرارات الحكومية، بما يحد من هامش مناورة نتنياهو في القضايا الداخلية والدولية الحساسة. وحتى إذا عاد إلى رئاسة الوزراء، فستظل الانقسامات الأساسية التي أضعفت السياسة الإسرائيلية من دون حل.
وستكون للتطورات تداعيات دولية مهمة أيضاً. فستراقب واشنطن عن كثب نهج الحكومة الجديدة إزاء الأمن الإقليمي، ومستقبل غزة، وإمكانية استئناف الانخراط الدبلوماسي مع الدول العربية. وستواصل الحكومات الأوروبية تقييم سلوك إسرائيل في الأراضي الفلسطينية ومدى التزامها بالتوصل إلى تسوية سياسية أوسع. وعلى المستوى الإقليمي، سيظل التحدي الأساسي هو ما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من تحويل قوتها العسكرية إلى بيئة استراتيجية أكثر استقراراً، أم ستبقى عالقة في دورات متكررة من المواجهة. وقد توفر حكومة أخرى برئاسة نتنياهو استمرارية في السياسة الأمنية، لكن الاستمرارية وحدها لن تضمن إحراز تقدم دبلوماسي أو تحقيق استقرار دائم.
أما إذا أخفق نتنياهو في تأمين أغلبية قابلة للحكم، فقد تواجه البلاد مفاوضات ائتلافية مطولة، أو تشكيل حكومة أقلية، أو احتمال إجراء انتخابات جديدة. ومن شأن هذه النتيجة إطالة أمد الغموض السياسي في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطاً أمنية واقتصادية ودبلوماسية خطيرة. كما ستعزز المخاوف بشأن قدرة البلاد على تشكيل حكومات مستقرة ووضع استراتيجية متسقة طويلة الأمد. وفي هذا السيناريو، لن تكون الانتخابات قد أظهرت رفضاً حاسماً لنتنياهو أو تأييداً قاطعاً له، بقدر ما ستكون قد كشفت عجز المعسكرات السياسية المتنافسة في إسرائيل عن تسوية خلافاتها من خلال النظام البرلماني القائم.
في نهاية المطاف، تتعلق الانتخابات الإسرائيلية بأكثر بكثير من تحديد الحزب الذي يحتل المرتبة الأولى. فهي منافسة على الاتجاه السياسي للبلاد، وعلى فهمها للأمن، وعلى قدرتها على الخروج من سنوات الصراع والانقسام الداخلي. ولا يزال نتنياهو شخصية سياسية قوية التأثير، ويمنحه تصدره السباق أساساً قوياً للمطالبة بمحاولة تشكيل الحكومة المقبلة. غير أن نجاحه سيعتمد على قدرته على تحويل تقدمه إلى ائتلاف برلماني مستدام. وفي المقابل، يتعين على خصومه إثبات قدرتهم على تقديم ما هو أكثر من مقاومة قيادته، والتوحد حول بديل موثوق.
وسيأتي الاختبار الحاسم بعد فرز الأصوات. فإذا عاد نتنياهو إلى السلطة، فسيرث بلداً لا يزال يواجه تساؤلات عميقة بشأن الأمن والمساءلة ومستقبله في علاقته بالفلسطينيين والمنطقة الأوسع. وإذا أخفق، فستواجه المعارضة مهمة لا تقل صعوبة، تتمثل في إثبات أن تغيير القيادة يمكن أن يؤدي إلى تغيير في الاتجاه. وفي كلتا الحالتين، كشفت الانتخابات حقيقة أساسية في السياسة الإسرائيلية: الفوز بالسباق ليس سوى البداية؛ أما التحدي الأكبر، فيتمثل في تشكيل حكومة قادرة على معالجة الأزمات التي أوصلت البلاد إلى هذا المنعطف الحاسم.
* كلية كينغز لندن

