مقالات

حاطب ليل.. د. عبد اللطيف البوني يكتب: تداعيات على منتدى جامعة الجزيرة.. البحث عن مشروعية للحيوان

(1)

الحيوانات من أبقار وأغنام موجودة في الجزيرة مع وجود الإنسان فيها، حتى الجمال كانت موجودة، لزوم الترحال، لكنها الآن كادت أن تنقرض. غايتو أنا شخصياً لحقتها وركبت فيها مردوفاً خلف جدي، والد أمي، حاج أحمد الحاردلو، رحمه الله رحمة واسعة، فقد دللني كثيراً لأني أول أحفاده من الذكور.

بعد قيام المشروع، تعرض الحيوان لحرب شعواء وتضييق شديد؛ لأن هدف الإنجليز من المشروع كان القطن، وأي كائن يمس منه لوزة، الله قال بقوله! لذلك ابتدعوا نظام السوكرة، أو ما نسميه الزريبة، وهي سجون حيوانية، والغرامة الباهظة لأي تعدٍّ على الزرع، خاصة إذا كان قطناً.

لكن ما كان لإنسان الجزيرة، الذي ألف الحيوان وأحبه، أن يتخلى عن أغنامه وأبقاره التي تمده بغذائه المحبب، فأبقاها معه في منزله. ولحسن الحظ، فإن تركيز الخواجة على القطن زاد من مساحة الأرض البور، فاتسع المرعى للحيوان، مما قلل عبء التربية.

بعد خروج الخواجة وتكثيف الزراعة في المشروع، زادت المخلفات المحصولية، فزاد عدد الحيوانات. لكن مع دخول الحياة المدينية الحديثة، والماء والكهرباء والمنازل الحديثة، تم طرد الحيوان من المنزل، فأصبح في أطراف القرية.

لكن بالمقابل، ظهرت تجارة اللبن داخل القرى وفي المدن، بما فيها الخرطوم، فحدثت طفرات في تربية الحيوان. فاهتم المربون بالسلالات المنتجة، ثم انتشرت عمليات التهجين والتلقيح الصناعي، فتغير شكل الأبقار من الحمراء الصغيرة إلى الصفراء الكنانية، والآن سادت البرقا ذات اللونين، الأزرق الغالب والأبيض، واختفت نهائياً كل الألوان الأخرى.

وفي حدود ضيقة، دخلت الأغنام السعانين القبرصية والتركية، أما الضأن فهو إلى انقراض.

بفضل التقانات الحديثة، ارتفع إنتاج البقرة في الجزيرة من الألبان من خمسة إلى ما بين العشرين والثلاثين رطلاً في المتوسط، وزاد وزن العجل إلى أن تجاوز المائة كيلو في المتوسط. كل هذا بمجهودات ومبادرات فردية، دون أي تدخل من الدولة أو إدارة المشروع، وهذه الأخيرة ورثت كراهية الحيوان من الإنجليز.

الدعم السريع قضى على ما لا يقل عن خمسين في المائة من الثروة الحيوانية في الجزيرة. والمؤلم حقاً أن هناك عمليات تهجين تجاوزت فترتها نصف القرن من الزمان، ضاعت بطلقة من دعامي، أو ذُبحت البقرة من أجل فخذها، وتُرك الباقي للكلاب، وقُطعت أشجار المنازل لتوضع تحت سرير السكسبندة، لزوم الشية وكده.

والآن عاد الناس يتحسسون ما بقي من الثروة الحيوانية، وكيفية تعويض نقصها، ومن ثم تطويرها.

(2)

ما منتدى جامعة الجزيرة الخامس، الذي تم تكريسه لقضايا الثروة الحيوانية، إلا مبادرة تصب في ذات مجرى تدارك الثروة الحيوانية في البلاد عامة، وفي الجزيرة بصفة خاصة، إذ خُصصت ورقة من الأوراق الأربع لأوضاع الحيوان في الجزيرة، وذلك من خلال فشل أربع تجارب للاستثمار في مجال الثروة الحيوانية والسمكية في مشروع الجزيرة.
وجاء في ذات الورقة ذكر الدورة الخماسية التي أعقبت الدورة الرباعية من أجل إدخال الحيوان في المشروع. وللأسف، لم يحقق التحول من الرباعية إلى الخماسية الهدف المنشود منه؛ فلم تتم زراعة الأعلاف، ولم يدخل الحيوان، وأصبح هذا القصاد الخامس عبئاً على القناة، أي الترعة، فزاد فوضى الفاقد المائي.

(3)

لقد تم تنفيذ الدورة الخماسية قبل ثلاثين عاماً، فتحولت الأربعون فداناً التي كانت في أربع قصادات، بواقع عشرة أفدنة في كل قصاد، إلى خمسة قصادات، بواقع ثمانية أفدنة في كل قصاد، على أن تستمر الدورة كما هي، أي يتنقل المزارع في قصاداته كما كان، فقط بإضافة أعلاف، لتكون مثلاً: قطن، ذرة، فول سوداني، قمح، أعلاف، بور.

لم يزرع المزارعون الأعلاف؛ لأنها أصلاً ليست من ثقافتهم الزراعية، ولم يُقدم لهم إرشاد بشأنها، ولا تعريف بأنواعها. ولم تُستجلب لهم أبقار لكي ترعى تلك الأعلاف، والأهم من ذلك أنهم لم يتعرفوا، أو يُعرَّفوا، بسوق لها.

مجمل مساحة القصاد الخامس في الجزيرة تصل إلى 450 ألف فدان. فإذا زُرعت كلها علفاً كما هو مخطط، فأين السوق لها، داخلياً كان أم خارجياً؟.

كل هذه أخطاء صاحبت التنفيذ، فعمل المزارعون بقاعدة: «الجن البتعرفه أحسن وأبرك من الجن الما بتعرفه»، فحدث ما حدث.
في تقديري الخاص، أن الإدارة الزراعية في المشروع لم تكن متحمسة لموضوع الأعلاف هذا. وحسب الدراسة القيمة التي قام بها الدكتور توني بارنيت، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الخرطوم، فإن الإدارة الزراعية كانت مقاومة لأي تغيير، خوفاً على هوية المشروع الزراعية، وحفاظاً على امتيازاتها الموروثة من الإدارة الاستعمارية.

وحسب قوله، فإن المفتش الوطني ورث من المفتش الإنجليزي السرايا والمنزل الفخم والعربية والسلطة الواسعة تجاه المزارع، وفوق ذلك نظرته الاستعلائية تجاه الأهالي.

قد يكون بارنيت قاسياً في حكمه على المفتش الوطني، فهو ابن بلد، ولا يمكن تجريده من وطنيته، ولكنه بقي أسير الوظيفة، ولم يتحول من مفتش إلى مهندس زراعي، رغم أن الأجيال الأخيرة من المفتشين كانت زراعية في تأهيلها الأكاديمي.

على العموم، تلك أمة قد خلت، فالإدارة الزراعية بمفتشها قد انتهت منها القوانين المتلاحقة، أهمها قانون 2005 المعدل في 2014. أما قانون جمعيات الإنتاج الزراعي والحيواني، فهو الذي أعاد الأمر للمزارع.

ولكن الأهم من كل ذلك أن هناك قناعة عامة بأن الحيوان هو المكمل للنبات في أي نهضة زراعية، وأن العلاقة بين الحيوان والنبات ديالكتيكية، أي جدلية، يستحيل الفصل بينهما. إنهما توأم سيامي. ومن غير المعقول أن يكون عمر المشروع قرناً من الزمان ولا مكانة فيه للحيوان.

نختتم هذه السلسلة غداً، إن شاء الله، بالقصاد الخامس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى