مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: لي مين أنا… أنا أحكي؟

ليس كل فراق يحتاج إلى دموع كي نشعر بوجعه، فبعض الأغنيات تستطيع أن تفتح جرحاً قديماً بمجرد أن تنطق بأول كلماتها، وفي( ألم الفراق) لا نسمع عاشقاً يشكو هجر محبوبه فحسب، بل نسمع إنساناً فقد الشخص الذي كان يجد عنده عزاءه، حتى أصبح السؤال الأكثر وجعاً: لي مين أنا أحكي؟.

كتب كلمات هذه الأغنية الشاعر الكبير عبدالرحمن الريح، وغناها الفنان الذري إبراهيم عوض، فجاءت واحدة من تلك الأعمال التي تتجاوز زمنها، لأنها تمسك بالعاطفة الإنسانية من أكثر أطرافها حساسية

عبدالرحمن الريح لم يتعامل مع الفراق باعتباره مجرد رحيل، بل رسم مراحله النفسية ببراعة، بدأ بالصدمة: (يوم الحبيب ودعني راح، ضاعف علي ألم الجراح) ، ثم ينتقل إلى خيبة الأمل التي كانت تنتظر الانشراح والبوح، قبل أن يصل إلى السؤال الذي يمثل قلب الأغنية النابض:
(أحكي ألم الفراق وأشكي لي مين أنا أحكي؟).

هنا تتجلى العبقرية الشعرية، فالمأساة ليست في غياب الحبيب وحده، بل في غياب من كان يستمع إلى الشكوى، إنها وحدة من نوع خاص، أن تفقد الشخص الذي كنت تلجأ إليه كلما ضاقت بك الحياة.

وفي (يا روحي ما هذا الصدود، وأنا دمعي جاري على الخدود) تتجسد الصورة الشعرية في عفويتها وصدقها، بينما ينتقل الشاعر إلى العتاب الرقيق حين يقول: (لو كان قليل خليك ودود)، إنه لا يطلب الكثير، فقط بعض الرفق من قلب أتعبه الهجر، ثم يعلن أسر العشق في عبارة (أنا يا جميل عاشق أسير) ! ليؤكد أن الحب عنده ليس نزوة، بل حالة استقرار في الضمير والوجدان.

أما الخاتمة فتحمل مفارقة جميلة، فبعد كل هذا الانكسار يرفض العاشق أن يجعل الفراق نهاية الحكاية:
(أنا يا حبيب الروح محال أنساك ولو هجراني طال)
إنه انتقال من الألم إلى الرجاء، ومن مرارة الغياب إلى انتظار الوصال، وبذلك يكتمل البناء الشعري في رحلة تبدأ بالجراح وتنتهي بالأمل.

موسيقياً، اللحن شريك في صناعة الحزن، تتناغم الجمل اللحنية مع الحالة الشعورية للنص، وتمنح الكلمات مساحتها للتعبير، بينما يؤدي التدرج النغمي والمدود الصوتية دوراً في تكثيف الإحساس، خصوصاً عند العبارات التي تحمل ذروة الشكوى ، إنها موسيقى لا تنافس الكلمة، بل تفتح لها الطريق إلى القلب.

ثم يأتي إبراهيم عوض، ذلك الفنان الذي لم يكن صوته مجرد أداة للغناء، بل كان يمتلك قدرة لافتة على تحويل الكلمات إلى مشاهد شعورية، في أدائه تتجاور العذوبة مع القوة، ويظهر التحكم في مخارج الحروف والمدود والتلوين الصوتي، دون أن يتحول الأداء إلى استعراض تقني.

الراحل المقيم إبراهيم عوض يعرف كيف يجعل المستمع يسمع الوجع دون أن يفرض عليه البكاء، وكيف يمنح السؤال (لي مين أنا أحكي؟) مساحة من الصدق تجعله يبدو وكأنه سؤال كل عاشق خذله الفراق.

إني من منصتي … أستمع … حيث أقول …. : إن سر بقاء هذه الأغنية يكمن في إجتماع ثلاثة عناصر إبداعية: شاعر امتلك حساً مرهفاً وقدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية، ولحن احتضن المشاعر، وفنان استطاع أن يمنح الكلمات روحاً وصوتاً … هنا العسل السوداني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى