مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: السيانيد يقتل.. والذهب يواصل اللمعان! من يحاسب تجار الموت في السودان؟

أيُّ ذهبٍ هذا الذي يُستخرج من باطن الأرض، بينما تُدفن بسببه أرواح السودانيين تحت التراب؟! ثمانية وستون مواطناً فارقوا الحياة جراء استخدام مواد كيميائية خطرة في مناطق تعدين الذهب، وفق إحصائية رسمية للشركة السودانية للموارد المعدنية. ثمانية وستون ضحية في بلد يبدو أن مؤسساته تعرف جيداً كيف تطارد عائدات الذهب، لكنها لم تقدم حتى الآن الإجابات الكافية عن مصير أرواح المواطنين. إنها ليست مجرد مخالفات في قطاع التعدين، بل قضية تستوجب مساءلة سياسية وجنائية وبيئية تبدأ من تصاديق الاستيراد ولا تنتهي عند أبواب وزارة المعادن.

هذه الإحصائية الرسمية جرى استعراضها خلال ورشة إزالة المخالفات التي انعقدت بمدينة بورتسودان في الرابع من نوفمبر 2026. وبالتالي لسنا أمام أرقام مجهولة المصدر أو روايات متداولة، وإنما أمام حصيلة معلنة من مؤسسة حكومية معنية بقطاع التعدين، تضع مؤسسات الدولة في مواجهة مسؤولياتها، وتفتح أبواباً واسعة للمساءلة العامة.

السؤال الذي ينبغي أن يبدأ به التحقيق: من الذي سمح بدخول هذه الكميات الكبيرة من السيانيد والمواد الكيميائية المستخدمة في التعدين؟ ومن منح تصاديق الاستيراد؟ وهل صدرت هذه التصاديق لشركات تعدين مرخصة وفق احتياجات إنتاجية محددة، أم تحولت إلى أوراق تجارية يتداولها السماسرة ويبيعونها في الأسواق؟ ومن يملك حق تتبع هذه المواد منذ وصولها إلى الموانئ وحتى استقرارها في مواقع التعدين؟.

وزير المعادن مطالب اليوم بإجابات واضحة لا تحتمل المراوغة. فإذا كان لا يعلم بحجم التصاديق والكميات المستوردة ومسارات تداولها، فتلك كارثة إدارية تكشف خللاً خطيراً في منظومة الرقابة التابعة لوزارته. وإن كان يعلم، فالمصيبة أكبر، والأسئلة أكثر إلحاحاً: ماذا فعل؟ ومن حاسب؟ ولماذا لم تتحرك مؤسسات الدولة قبل أن تسقط هذه الأرواح؟.

لا يجوز أن تتحول وزارة المعادن إلى محطة عبور للتصاديق، والشركة السودانية للموارد المعدنية إلى جهة لإعلان أرقام الوفيات بعد وقوع الكارثة. فالمؤسسات التي تعرف كيف تحصي أطنان الذهب وعائداته، ينبغي أن تعرف أيضاً كيف تحصي المواد الكيميائية ومخاطرها، وكيف تراقب استيرادها وتوزيعها واستخدامها، وكيف تمنع وصولها إلى أيدي غير المؤهلين.

السيانيد وغيره من المواد الكيميائية الخطرة ليست شحنات عادية تُترك لتجار السوق ومساومات السماسرة. إنها مواد تتطلب رقابة صارمة على الاستيراد والتخزين والنقل والاستخدام والتخلص من المخلفات. وأي إخلال بهذه الاشتراطات قد يهدد الإنسان والحيوان والتربة ومصادر المياه، ويترك تلوثاً تتجاوز آثاره حدود مناطق التعدين.

لكن السؤال الأكثر إزعاجاً: هل انتهت الكارثة عند الوفيات الثماني والستين؟ أم أن هناك أضراراً صحية وبيئية لم تدخل بعد في الإحصائيات الرسمية؟ من يفحص مياه الشرب؟ ومن يراقب التربة؟ وأين تقارير الجهات البيئية والصحية؟ إن إعلان عدد الضحايا دون الكشف عن حجم التلوث يشبه إحصاء القتلى وترك مصدر الخطر يعمل دون رقابة كافية.

هنا لا بد من الانتقال من المساءلة الإدارية إلى التحقيق الجنائي. يجب تتبع سلسلة الاستيراد والتصاديق والتوزيع والاستخدام، وتحديد كل من تثبت مسؤوليته عن المخالفات أو الإهمال الذي عرّض حياة المواطنين للخطر. وإذا أثبت التحقيق وجود مسؤولية جنائية عن الوفيات، فلا حصانة لمنصب، ولا حماية لمؤسسة، ولا تسوية على حساب العدالة.

أما رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، فإن الانشغال بمعركة الكرامة لا يعفي القيادة من مسؤولية حماية المواطنين. فالدولة ليست بندقية فقط، والوطن ليس جبهة قتال فحسب؛ إنه إنسان يبحث عن الأمن والصحة والماء النظيف والحياة الكريمة. وما جدوى الانتصار في معركة الأرض إذا خسر المواطن معركة البقاء على أرضه؟.

سيادة الرئيس، لا نريد توجيهات جديدة تُقرأ في نشرات الأخبار ثم تفقد صلاحيتها عند أبواب الوزارات. ولا نريد لجنة تضاف إلى أرشيف اللجان التي تعرف طريق التشكيل ولا تجد طريق التنفيذ. نريد تدخلاً رئاسياً مباشراً، وتحقيقاً مستقلاً، وكشفاً كاملاً لتصاديق الاستيراد، وتحديداً للمسؤوليات، وإحالة كل من تثبت مخالفته إلى العدالة.

إن مسؤولية البرهان هنا لا تتوقف عند إصدار التوجيهات، وإنما تمتد إلى متابعة الجهاز التنفيذي ومساءلة المسؤولين عن أدائهم. فعندما تعلن مؤسسة حكومية وفاة 68 مواطناً بسبب مواد كيميائية مستخدمة في قطاع اقتصادي مهم، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل: أين كانت الرقابة؟ وأين كانت الوزارة؟ وأين كانت الدولة بكل أجهزتها؟.

والمفارقة التي تستحق السخرية السودانية المريرة أن بلادنا تبحث عن الذهب لإنقاذ اقتصادها، لكنها قد تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن مواطنيها في قوائم الوفيات بسبب المواد المستخدمة لاستخراجه! يبدو أننا أصبحنا نحتاج إلى دراسة جدوى جديدة: كم سبيكة ذهب تساوي حياة مواطن سوداني؟ ومن الجهة التي تمنح التصديق على هذه المقايضة العجيبة؟.

المطلوب مراجعة جميع تصاديق الاستيراد، وحصر الشركات والمستوردين، وتتبع الكميات، وإغلاق منافذ التداول المخالف، وإجراء فحوصات مستقلة للمياه والتربة، ونشر نتائجها للرأي العام. كما يجب وضع آلية لتعويض المتضررين ومعالجة المناطق التي يثبت تعرضها للتلوث. فالمحاسبة لا تكتمل بتحديد المسؤول عن الورق، وإنما بكشف المسؤول عن الضرر والنتائج.

وعلى وزير المعادن أن يدرك أن القضية لم تعد شأناً فنياً داخل أروقة الوزارة، بل أصبحت قضية رأي عام تتعلق بحياة المواطنين. المطلوب إجابات بالأسماء والوثائق والأرقام، لا تبريرات إدارية ولا تبادل للمسؤوليات بين المؤسسات. فالكرسي الوزاري يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه حق الاختباء عندما تظهر نتائج القرارات أو أوجه القصور.

ثمانية وستون مواطناً رحلوا، وأسر تنتظر الحقيقة، ومناطق تعدين تحتاج إلى حماية عاجلة. لا ينبغي أن تكون نهاية هذه المأساة ورشة أخرى، ولا مؤتمراً صحفياً آخر، ولا لجنة ترفع تقريرها إلى جهة لا تسأل عن مصيره. المطلوب عدالة تُرى نتائجها، ورقابة تمنع تكرار الكارثة، ودولة تضع حياة الإنسان فوق حسابات الإنتاج والعائدات.

سيادة الرئيس البرهان، السيد وزير المعادن، إن أرواح السودانيين ليست هامشاً في دفاتر إنتاج الذهب، وليست أرقاماً يمكن دفنها في تقارير اللجان ورفوف المكاتب! ثمانية وستون مواطناً رحلوا، ومن حق أسرهم أن تعرف من استورد، ومن صدّق، ومن سمح بالتداول، ومن قصّر في الرقابة. نريد أسماءً وحقائق ووثائق ومحاسبة، لا بيانات تخديرية ولا لجاناً لا يسمع المواطن عن نتائجها. وإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها من المواد الكيميائية الخطرة في مناطق التعدين، فبأي حق تطالبهم بالصبر والتضحية من أجل الوطن؟ لا نريد ذهباً يملأ خزائن الدولة ويملأ المقابر بأبنائها؛ فالدولة التي لا تحمي حياة مواطنيها تفقد أهم مبررات وجودها، والذهب مهما بلغت قيمته لا يساوي روح سوداني واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى