مقالات

من القاهرة إلى الخرطوم.. اتفاق تنسيقي بين الاتحادي الأصل والاتحادي الديمقراطي

بقلم: أ. محمد الشاطر الأمين الحسن الأمين

في عصر يوم الخميس، الخامس من نوفمبر 2026م، وفي مقر إقامة رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، محمد عثمان الميرغني، بالعاصمة المصرية القاهرة، وقّع الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل والحزب الاتحادي الديمقراطي اتفاقا تنسيقيا يستهدف توحيد المواقف والرؤى السياسية، والتنسيق بشأن القضايا الوطنية الملحة، وصولا إلى وحدة اتحادية شاملة تضم مختلف الفصائل الاتحادية. وقد وقّع الاتفاق عن الأصل نائب الرئيس عبد الله المحجوب، عضو المجلس القيادي ولجنة الوحدة ولم الشمل، وعن الديمقراطي عضو الهيئة القيادية العليا الشريف صديق الشريف إبراهيم الهندي، بعد أن عكفت لجنة مشتركة أسابيع على وضع أسسه السياسية والوطنية. وفي كلمته عقب التوقيع، قال الشريف صديق الهندي إن الاتفاق يمثل المسار الذي ينبغي المضي فيه حتى يتمكن الحزب من أداء دوره الوطني المعروف تاريخيا، من خلال تضافر جهود جماهيره التي عُرفت بحبها لوطنها وحزبها، وتوجيه هذه الجهود نحو تحقيق وحدة اتحادية شاملة. من جانبه، قال عبد الله المحجوب إن الاتفاق يمثل الخطوة الأولى في عملية توحيد ودمج الحزبين، إلى جانب مختلف الفصائل الاتحادية، ولمّ شمل الحزب تحت مظلة واحدة. ويقرأ مؤيدو الاتفاق هذه الخطوة بوصفها بداية لإنهاء انقسام اتحادي استمر عقودا، بينما يقرأها منتقدوه بوصفها اتفاق تنسيق لا يرقى بعد إلى اندماج تنظيمي، وأن الحكم عليه يظل مرهونا بما سيتحقق بعده على الأرض، لا بما ورد في نصه.

ويحدد الاتفاق ثلاثة مبادئ أعلنها الطرفان: الدفاع عن وحدة السودان أرضا وشعبا، ورفض أي دعوات للتقسيم أو الانفصال، والحفاظ على القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى والأجهزة العدلية والخدمة المدنية، باعتبارها ضمانة لسيادة الدولة واستقرارها، ورفض أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي السوداني تحت أي مسمى. ومن جانب المؤيدين، يُنظر إلى هذه الصيغة بوصفها موقفا يضع الحزب في معسكر دعم مؤسسات الدولة القائمة، ويميزه عن القوى التي طالبت بإعادة هيكلة جذرية لهذه المؤسسات، أو التي ساوت بين الجيش والدعم السريع. وعلى الجانب الآخر، يرى معارضون أن صيغة الحفاظ على المؤسسات تظل عامة، ولا توضح موقف الحزب من قضايا الإصلاح المؤسسي والعدالة الانتقالية والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، وأن رفض التدخل الخارجي يحتاج إلى توضيح في ظل توقيع الاتفاق في القاهرة. ويرد المؤيدون بأن العلاقة مع مصر علاقة تاريخية خاصة بوادي النيل، بينما يرى المنتقدون أن التوقيع خارج السودان يطرح سؤالا مشروعا عن العلاقة بين النص والمكان.

وينص الاتفاق على آليتين تنفيذيتين: لجنة تنسيق عليا مشتركة تضم ستة أعضاء مناصفة، تتولى تقييم الأوضاع وإصدار المواقف المشتركة، ولجنة تنفيذية لمتابعة العمل اليومي تتكون من عشرة أعضاء بالتساوي، وترفع تقاريرها إلى اللجنة العليا، إضافة إلى توحيد الخطاب الإعلامي في جميع القضايا المتوافق عليها. ويعد المؤيدون وجود هاتين اللجنتين مؤشرا على أن الاتفاق يتجاوز بيانات النوايا إلى عمل تنظيمي، وأن نجاحهما خلال الأشهر القادمة سيكون معيارا عمليا لجدية التنسيق. في المقابل، يلفت المنتقدون إلى أن الاتفاقات السابقة تضمنت أيضا لجانا مشابهة ولم تفض إلى اندماج، وأن الاختبار الحقيقي هو صدور موقف واحد في أول أزمة سياسية، لا تشكيل اللجان ذاتها. ويشير الطرفان إلى أن كل وحدة اتحادية كبرى بدأت في القاهرة، من عام 1953م إلى عام 1967م إلى عام 2026م، ويختلفان في تفسير ذلك: المؤيدون يرونها استمرارية تاريخية، والمنتقدون يرونها مؤشرا على أن الوحدة ما زالت تُصنع خارج السودان.

وتتعدد قراءات التوقيت والرمزية. فمن جهة، يرى مؤيدو الاتفاق أن الميرغني لم يوقع بنفسه، وأن توقيع نائبه في مقر إقامته يعني انتقال إدارة الملف اليومية إلى الجيل الثاني من القيادة، وأن توقيع حفيد الشريف حسين الهندي مع نائب الميرغني يعيد إنتاج التحالف التاريخي بين آل الميرغني وآل الهندي، الذي أسفر عن تأسيس الحزب الاتحادي الديمقراطي عام 1967م. ومن جهة أخرى، يرى منتقدون أن غياب توقيع الميرغني يطرح أسئلة حول مستوى الالتزام النهائي بالاتفاق، وأن الرمزية العائلية لا تكفي لبناء حزب حديث، وأن الحزب يحتاج إلى مؤتمر توحيدي يحدد القيادة والبرنامج بالانتخاب، لا بالتوافق بين النخب. وفيما يتعلق بالتوقيت، يرى المؤيدون أن السودان مقبل على مرحلة سياسية جديدة، من حوار وطني أو حكومة انتقالية أو انتخابات، وأن دخول الاتحاديين موحدين سيمنحهم وزنا أكبر، بينما يرى المنتقدون أن الاتفاق يهدف أساسا إلى تحسين التموقع التفاوضي، وأن القوى السياسية الأخرى، من حزب الأمة إلى قوى الحرية والتغيير، ستنظر إليه من زاوية التنافس، لا من زاوية الوحدة الوطنية.

وفي المحصلة، يتفق الطرفان على أن الاتفاق لم يتناول بالتفصيل قضايا الاقتصاد وشكل الدولة وعلاقة الدين بالدولة وقضايا الشباب والمرأة وعودة النازحين وإعادة الإعمار، ويختلفان في تفسير ذلك. فالمؤيدون يقولون إن الاتفاق تنسيقي بطبيعته، وأن البرنامج التفصيلي سيأتي في المؤتمر التوحيدي، بينما يقول المنتقدون إن غياب البرنامج هو سبب فشل الوحدات السابقة، وإن الوحدة دون برنامج تظل وحدة شكلية. ولذلك يطرح المراقبون ثلاثة مؤشرات محايدة للحكم على الاتفاق خلال الأشهر الثلاثة القادمة: هل ستصدر اللجنة العليا بيانا واحدا باسم الحزبين في أول أزمة سياسية، وهل ستنضم فصائل اتحادية أخرى للاتفاق، وهل سيعقد الحزبان مؤتمرا توحيديا داخل السودان لا في القاهرة؟ فإذا تحققت هذه المؤشرات، فسيكون الاتفاق قد تجاوز مرحلة التنسيق إلى مرحلة الاندماج، وإذا لم تتحقق، فسيظل اتفاقا تنسيقيا محدود الأثر، شأنه شأن اتفاقات سابقة بدأت في القاهرة ولم تكتمل في الخرطوم.

*رأي الكاتب*

أرى أن هذا الاتفاق مهم، لكنه ليس تاريخيا بعد، بل هو تاريخي محتمل. والأحزاب لا تموت بالشعارات، بل تموت حين تفشل لجانها في الاجتماع، ووحدة الأحزاب وحدها لا تطعم جائعا، ولا تعيد نازحا، ولا تبني وطنا. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس في القاهرة، بل في بورتسودان ومدني ودنقلا وكسلا: هل سيفتح الحزب دارا واحدة في كل ولاية، وهل سيجمع عشرة آلاف عضو حقيقي لا عشرة آلاف اسم في كشف، وهل سيقدم برنامجا اقتصاديا واحدا يقنع به المغترب والفلاح والتاجر والطالب؟ إذا فعل ذلك، فسيكون اتفاق القاهرة بداية عودة الحزب الاتحادي، وإذا اكتفى بالبيانات واللجان والصور، فسيكون صورة جماعية أخرى في ألبوم طويل من صور الوحدة التي لم تكتمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى