مقالات

خليل فتحي خليل يكتب في مسارات الكلام… في السودان… المواطن هو الذي يتألم!

في السودان، يبدو أن المواطن قد كُتب عليه أن يخوض معركة يومية مع الحياة، معركة تبدأ منذ لحظة استيقاظه من النوم، ولا تنتهي إلا حين يضع رأسه على وسادة القلق والتفكير في تدبير يوم جديد. فكل شيء أصبح مؤلماً، وكل طريق بات محفوفاً بالمتاعب، وكل خطوة تحتاج إلى حسابات تفوق قدرة الإنسان العادي.

المواطن السوداني اليوم يقف في مواجهة أعباء ثقيلة من كل الاتجاهات؛ في السوق يعاني من نار الأسعار، وفي المستشفيات يصطدم بتكاليف العلاج وشح الخدمات، وفي المدارس والجامعات يطارد أبناءه وسط متطلبات التعليم ورسومه المتزايدة، وفي المواصلات يدفع من دخله المحدود ما يلتهم ما تبقى من قوت يومه. حتى أبسط احتياجات الحياة أصبحت حلماً يحتاج إلى تدبير طويل وصبر أكبر.

الحرب أخذت من السودانيين الأمن والاستقرار، وشرّدت الأسر، وبدّدت مصادر الرزق، وغيّرت ملامح المدن والقرى، ثم جاءت موجات الغلاء لتضاعف أوجاع الناس وتضع المواطن أمام امتحان قاسٍ لا يعرف متى تنتهي فصوله. هناك أب يعود إلى منزله مثقلاً بالهموم لأنه عجز عن توفير احتياجات أسرته، وأم تقف حائرة أمام متطلبات أطفالها، وشاب يحمل شهادته وأحلامه ويبحث عن فرصة عمل تحفظ له كرامته، ومريض يؤجل علاجه لأن جيبه لا يحتمل فاتورة الدواء.

المؤلم أن المواطن أصبح مطالباً بالصبر على كل شيء؛ يصبر على انقطاع الكهرباء، ويتحمل أزمات المياه، ويواجه ارتفاع أسعار الوقود، ويبحث عن رغيف الخبز، ويطارد الدواء، ويقاوم ضغوط الحياة اليومية. وكأن الصبر وحده أصبح الخدمة الوحيدة المتاحة للجميع!
وهنا يبرز السؤال: أين نصيب المواطن من الاهتمام وسط كل هذه الأزمات؟ وأين الخطط التي تضع الإنسان في مقدمة الأولويات؟.

فالدولة التي تنشغل بمؤسساتها وقراراتها وبرامجها، ينبغي أن تتذكر أن جوهر وجودها هو المواطن، وأن نجاح أي مسؤول أو حكومة يقاس بما يلمسه الناس في حياتهم، من تحسن في الخدمات، واستقرار في الأسعار، وتوفير للدواء، وتأمين لسبل العيش الكريم.

نحن لا نطلب المستحيل، ولا نبحث عن رفاهية في زمن الحرب، وإنما نريد الحد الأدنى من الحياة الكريمة؛ نريد سوقاً يستطيع فيه المواطن شراء احتياجات أسرته، ومستشفى يجد فيه المريض العلاج، ومدرسة لا تتحول فيها الرسوم إلى عبء على الآباء، ومواصلات لا تستنزف الدخل، وخدمات تحفظ للإنسان كرامته.

إن أكثر ما يؤلم في المشهد السوداني أن المواطن ظل يدفع فاتورة الأزمات من صحته وأعصابه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه. وهو الذي تحمل النزوح، وذاق مرارة الفقد، وصبر على قسوة الظروف، وما زال يتمسك بالأمل رغم كل الانكسارات.

على المسؤولين أن يخرجوا من مكاتبهم إلى الأسواق والمواقف والمستشفيات والأحياء، وأن يستمعوا إلى أنين الناس بعيداً عن التقارير المنمقة والأرقام التي قد تبدو جميلة على الورق، بينما الواقع يروي حكاية أخرى. فالمواطن لا ينتظر خطباً طويلة، وإنما يريد أن يرى أثراً حقيقياً للقرارات في حياته اليومية.

في السودان… المواطن هو الذي يتألم، وهو الذي ينتظر، وهو الذي يدفع الثمن!.

فرفقاً بهذا الشعب الذي أنهكته الحرب، وأثقلته المعيشة، وأتعبته الوعود. أعيدوا للإنسان السوداني حقه في الحياة الكريمة، واجعلوا معاناته حاضرة في كل قرار، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما تُبنى بإنسان يجد قوت يومه، ويحصل على علاجه، ويطمئن على تعليم أبنائه، وينام آمناً على مستقبلهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى