بروفيسور عصام بوب لـ«مسار برس»: انهيار الجنيه ينذر باقتصاد بلا عملة.. والإنقاذ يبدأ بوقف طباعة النقود

القاهرة: هيثم موسى
حذّر الخبير الاقتصادي البروفيسور عصام عبد الوهاب بوب من التداعيات المتسارعة لانهيار قيمة الجنيه السوداني، مؤكداً أن استمرار التدهور النقدي والاقتصادي يهدد بتحول السودان من اقتصاد يعاني من فقدان قيمة العملة إلى اقتصاد يفقد العملة الوطنية نفسها كوسيط رئيسي للمعاملات.
وقال بوب لـ«مسار برس» إن الجنيه السوداني مرّ خلال السنوات الأخيرة بتراجع حاد في قيمته أمام العملات الأجنبية، مشيراً إلى انتقال سعر الدولار من نحو 560 جنيهاً عند اندلاع الحرب في أبريل 2023 إلى مستويات تجاوزت 8 آلاف جنيه في السوق الموازي خلال سبتمبر 2026، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، عمق الأزمة النقدية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.
وأوضح أن الأزمة الحالية ليست نتاج عامل واحد، وإنما حصيلة تداخل أربعة عوامل رئيسية، تتمثل في اقتصاد الحرب، والاختلالات الهيكلية المزمنة، وضعف السياسة النقدية، إلى جانب تنامي ظاهرة الدولرة وفقدان الثقة في العملة الوطنية.
وأشار بوب إلى أن الحرب أدت إلى انكماش النشاط الاقتصادي والإنتاجي، وتضرر القطاعات الزراعية والتجارية والمصرفية، فضلاً عن تراجع قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات وتوفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل الواردات الأساسية.
وأضاف أن الاقتصاد السوداني ظل يعاني، حتى قبل الحرب، من اختلال هيكلي يقوم على تصدير المواد الخام واستيراد الاحتياجات الأساسية، مع ضعف الاحتياطيات الأجنبية واعتماد متزايد على موارد محدودة، الأمر الذي جعل سعر الصرف شديد الحساسية للصدمات السياسية والأمنية والاقتصادية.
واعتبر بوب أن السياسة النقدية أصبحت تواجه ضغوطاً كبيرة في ظل اتساع العجز المالي وتزايد الحاجة إلى التمويل، محذراً من أن تمويل العجز عبر إصدار النقود يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية دون مقابل إنتاجي، بما يضغط على سعر الصرف ويدفع التضخم إلى مستويات أعلى.
ولفت إلى أن استمرار فقدان الثقة في الجنيه أدى إلى تغير سلوك المواطنين والتجار، بحيث أصبح الاحتفاظ بالعملة الوطنية لفترات قصيرة، فيما تتزايد المعاملات المرتبطة بالدولار والعملات الأجنبية باعتبارها مخزناً للقيمة، وهو ما يعمق بدوره الضغط على الجنيه.
وقال إن هذه العملية خلقت حلقة مفرغة تبدأ بالحرب والعجز المالي، ثم التمويل النقدي، وانخفاض قيمة الجنيه، وارتفاع تكلفة الواردات، والتضخم، وفقدان الثقة، ثم التوسع في الدولرة والمضاربة على العملات، لتعود الحلقة مجدداً إلى انخفاض قيمة العملة.
وحذر بوب من أن الإجراءات الأمنية وحدها لن تكون كافية لمعالجة سوق النقد الأجنبي، مشدداً على أن المشكلة في جوهرها اقتصادية ومرتبطة بعوامل العرض والطلب والثقة والسياسة النقدية وتدفقات النقد الأجنبي.
ودعا بوب إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف التدهور، في مقدمتها وضع إطار قانوني يمنع التمويل النقدي المباشر للعجز، وإعادة بناء استقلالية البنك المركزي وتوحيد القرار النقدي، إلى جانب معالجة الاختلالات في سوق الصرف.
كما طالب بإحكام إدارة موارد الذهب وإنهاء تعدد قنوات تسويقه، مع توفير قناة رسمية شفافة تستقطب الإنتاج بأسعار تنافسية، بما يسمح للدولة بالاستفادة من أحد أهم مصادر النقد الأجنبي بدلاً من تسرب عائداته خارج الاقتصاد الرسمي.
وشدد على ضرورة إعادة النظر في آليات تحويلات السودانيين بالخارج، بما يضمن جذب التحويلات إلى القنوات الرسمية من خلال أسعار صرف واقعية وحوافز مناسبة، إلى جانب ترشيد الواردات وفق أولويات اقتصادية واضحة بدلاً من اللجوء إلى قرارات حظر غير مدروسة.
وأشار إلى أهمية إنشاء شبكات أمان اجتماعي مرتبطة بتكلفة سلة الغذاء الأساسية لحماية الشرائح الأكثر تأثراً بالتضخم، بالتزامن مع إجراءات إصلاحية تستهدف جذور الأزمة.
وأكد بوب أن أي معالجة مستدامة لانهيار الجنيه لا يمكن أن تنجح من دون إعادة بناء الاقتصاد الحقيقي، داعياً إلى إعطاء أولوية لإعادة تشغيل مشروع الجزيرة والقطاع الزراعي، وتطوير سلاسل القيمة للسمسم والصمغ العربي، وتعظيم القيمة المضافة للذهب بدلاً من تصديره في صورته الخام.
ودعا إلى إعادة بناء المالية العامة، وتوسيع القاعدة الضريبية، والعمل على استعادة الثقة في المؤسسات الاقتصادية، إلى جانب تدقيق حسابات البنك المركزي ونشر بيانات واضحة حول الاحتياطيات والأصول والالتزامات، بما يعزز الشفافية والمصداقية.
وأكد أن إنهاء ظاهرة الدولرة لا يتم بقرارات إدارية أو قانونية فقط، وإنما باستعادة الثقة في الجنيه من خلال استقرار السياسات، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتوفير النقد الأجنبي، وإدارة الاقتصاد بصورة أكثر شفافية وانضباطاً.
وختم بوب تحذيره بالتأكيد على أن استمرار التدهور الحالي يفرض تحركاً اقتصادياً عاجلاً، قائلاً إن استعادة قيمة الجنيه تبدأ بوقف التمويل النقدي غير المنضبط، والسيطرة الشفافة على موارد الدولة، ثم إعادة بناء الإنتاج والاحتياطيات والثقة، محذراً من أن التأخر في اتخاذ الإجراءات الضرورية قد يدفع الاقتصاد إلى مرحلة أكثر تعقيداً يفقد فيها الجنيه دوره الأساسي في النشاط الاقتصادي.

