حاطب ليل.. د. عبد اللطيف البوني يكتب: سيك… سيك… معلق فيك

(1)
يحيرني، وما يتحير إلا مغير، كما يقول جدنا حاج العباس، رحمة الله عليه… الذين يقولون إن مجلس السيادة غير مسؤول عن الأوضاع الاقتصادية، وإنها مسؤولية الجهاز التنفيذي وحده، أي مسؤولية مجلس الوزراء وحده… إن ما تمر به البلاد هو مسؤولية الحكومة.
والحكومة، كما تقول الوثيقة الدستورية لعام 2019 المعدلة 2025، تتكون من جزئين، هما مجلس السيادة، الذي يقوم بالأعمال السيادية، ومجلس الوزراء، وهو الذي يقوم بالأعمال التنفيذية.
لكن تعال شوف ذات الوثيقة التي تقول إن الجهاز التشريعي يتكون من المجلسين إلى حين قيام المجلس التشريعي. ومن الأبجديات الدستورية أن الجهاز التشريعي هو الذي يقوم بعمليتي التشريع والرقابة على الجهاز التنفيذي. إذن هو الضلع الثالث في الحكومة.
فيا جماعة الخير… الآن، اليوم العلينا دا… لا يوجد فراغ دستوري نسبة لعدم وجود برلمان، كان منتخباً أم معيناً، لأن الوثيقة الدستورية أعطت حق التشريع والرقابة للمجلسين السيادي والوزاري مجتمعين، ورئيسه هو رئيس مجلس السيادة.
حتى النص الذي كان يقسم فترة الرئاسة بين المدنيين والعسكريين في مجلس السيادة قد اختفى في تعديل 2025.
فإذن رئيس مجلس السيادة هو رئيس المجلس التشريعي القائم الآن، ويجب ألا ننسى أن رئيس مجلس السيادة هو الذي قام بتعيين رئيس مجلس الوزراء، الذي بدوره عين الوزراء، أو هكذا تفترض الوثيقة الدستورية. كما أنه هو، أي رئيس مجلس السيادة، الذي قام بتعيين أعضاء مجلس السيادة.
(2)
إذن مجلس السيادة، وبنص الوثيقة الحاكمة، شريك كامل الدسم في الحكومة، طالما هو شريك في إصدار التشريعات، والأهم طالما أنه يقوم بالدور الرقابي من خلال اجتماع المجلسين، أي في حالة اجتماعه مع مجلس الوزراء.
فأي واقع سياسي تحكمه الرقابة والتشريع. فالأزمة الاقتصادية التي تطحن البلاد الآن نشأت من عدم الرقابة… فعدم الرقابة هو الذي جعل الكارتيلات تهبر وتملأ على كيفها.
المجلس التشريعي، على حسب الوثيقة، الذي يرأسه السيد رئيس مجلس السيادة، هو الذي يفترض أن يقوم بدور الرقابة، وهو الذي يصدر التشريعات التي تكبح جماح الفساد وتوقف السيولة السياسية، وتحاسب على كل صغيرة وكبيرة.
فإذن هو مسؤول مسؤولية كاملة، مثل مثل مجلس الوزراء. أبسط شيء: ميزانية البلاد السنوية، من الذي يجيزها؟ المجلس التشريعي الافتراضي، أو مجلس الأمر الواقع، هو الذي يجيزها، وهو الذي يعدلها، وبالتالي يصبح مسؤولاً عن كل الأوضاع المالية في البلاد.
والمعلوم بالضرورة أن الميزانية هي القانون المالي الذي يسير البلاد لمدة عام.
(3)
الذين ينادون بحكومة عسكرية صرفة والاستغناء عن الحكومة المدنية، فهذا يعني أنهم ينادون بتعديل الوثيقة الدستورية الحاكمة، أي انقلاب عسكري معلن. وإلا فإن الجيش الآن، ممثلاً في مجلس السيادة، شريك كامل الدسم في الحكم، لا بل هو صاحب القدح المعلى في الشراكة، طالما أن القائد العام للقوات المسلحة هو الذي يرأس المجلس التشريعي، لا بل هو الذي يعين أعضاء مجلس السيادة، وهو الذي يعين رئيس الوزراء، كما ذكرنا أعلاه.
(لقاء السيدين)
رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء، الذي عقد قبل كم أسبوع كده، والذي طارت به الأسافير، والذي قيل إنه جاء باستدعاء من رئيس مجلس السيادة للسيد رئيس الوزراء، ليناقشه في الأزمة الاقتصادية…
ليته كان اجتماعاً بين المجلسين لإيقاظ الحالة التشريعية في البلاد.
إن اجتماع المجلسين في شكل مجلس تشريعي يمكنه أن يصدر من القوانين ما يشاء، لكن للأسف لم نسمع لهما بجلسة من هذا النوع. ليس هذا فحسب، حتى المجلسين، كل على حدة، لم نسمع لهما بجلسات راتبة.
إذن الواقع يقول إن جزءاً كبيراً من السلطة الحاكمة معطل.
ما ذكرناه أعلاه ليس دفاعاً عن أحد، فرأينا فيهم قد قلناه مراراً وتكراراً، فالأداء من جانب الجهاز التنفيذي في غاية التدني… تحت الصفر. فالسؤال المحير: لماذا الصبر عليه؟.
فالذي ننادي به هنا هو تفعيل أجهزة السلطة. أما إذا كان مجلس السيادة، ممثلاً في السيد رئيسه وأعضائه، زاهداً في السلطة ويريد أن يقوم بالأعمال السيادية والتشريفية فقط، فليكن المجلس التشريعي، بأعجل ما تيسر، بالانتخابات أو بالتعيين. فساعتها يمكن أن يعمل نائماً… أما الآن فلا.
المهم هو أن تنتهي حالة السيولة السياسية التي تمر بها البلاد، فهي مدخل لكل الشرور الماثلة.

