«رغيف الجزيرة.. أزمةٌ على مائدة المواطن وحلولٌ في الميدان»
من جوال الدقيق إلى مائدة الأسرة.. رحلة الرغيف تحت ضغط الغلاء

والي الجزيرة يقود معركة الرغيف.. إعفاءات وضخ للدقيق واستقرار للأسعار
تحقيق: مسار برس
لم تكن أزمة الخبز في ود مدني مجرد زيادة جديدة في سعر سلعة استهلاكية، بل تحولت خلال الأيام الماضية إلى ضغط مباشر على ميزانيات الأسر، في وقت تتسع فيه فجوة المعيشة وترتفع فيه كلفة السلع والخدمات.
في الأسواق والأحياء، كان المواطنون يواجهون الزيادة بجيوب مثقلة، بينما كانت المخابز بدورها تواجه معادلة أكثر تعقيداً: ارتفاع متواصل في أسعار الدقيق والوقود والخميرة والزيت والثلج والحطب، مقابل قدرة شرائية محدودة لدى المستهلك.

وبين طرفي المعادلة، تحركت حكومة ولاية الجزيرة بإجراءات استهدفت تخفيف تكلفة الإنتاج وضمان تدفق الدقيق إلى المخابز، في محاولة لإعادة سعر الرغيف إلى مستوى يمكن للأسر تحمله.
المواطن.. الخبز يقتطع من ميزانية الأسرة
في أحياء ود مدني، كشفت إفادات المواطنين عن حجم التأثير الذي خلفته الزيادة الأخيرة في أسعار الخبز.
وقال المواطن الفاتح خليفة محمد، من حي عووضة، إن نحو 300 ألف جنيه من راتبه البالغ 700 ألف جنيه تذهب لشراء الخبز، الأمر الذي دفع أسرته إلى الاكتفاء بوجبتين يومياً.
ويرى خليفة أن ارتفاع أسعار السلع لم يعد يحتمل، مطالباً بتشديد الرقابة على الأسواق واتخاذ إجراءات تحد من الزيادات غير المبررة.
أما المواطنة مشاعر عبد العزيز، فتقول إن ارتفاع سعر الرغيف أصبح يضغط مباشرة على بنود أساسية أخرى في ميزانية الأسرة، خصوصاً الصحة والتعليم، مشيرة إلى أن بعض الأسر اضطرت إلى الاعتماد بصورة أكبر على العصيدة والكسرة كبدائل أقل تكلفة.
وتتكرر الشكوى ذاتها لدى مواطنين آخرين، بينهم محمد السر وعبد السلام الحاج وبله محمد عباس، الذين اعتبروا أن الزيادات المتتالية باتت تهدد قدرة الأسر محدودة الدخل على توفير احتياجاتها اليومية.
وفي المقابل، أرجع المواطنون عبد الله عبد العزيز ومحمد عمر جانباً من الأزمة إلى ارتفاع أسعار الصرف وتكاليف النقل وضعف الرقابة على الأسواق، إلى جانب ما وصفاه بالممارسات التجارية التي تزيد الضغط على المستهلك.
المخابز.. ارتفاع التكلفة يفرض معادلة جديدة
لكن الوجه الآخر للأزمة يكشف أن المخابز نفسها تعمل تحت ضغط ارتفاع تكاليف التشغيل.
ويقول صاحب مخبز العقاد بحي القبة محمود حاتم إن سعر جوال الدقيق زنة 50 كيلوغراماً ارتفع من نحو 140 ألف جنيه إلى 186 ألفاً، بالتزامن مع زيادة أسعار الغاز والثلج والخميرة والزيت.
ويشير صاحب مخبز الجعلي عبد الرحمن الحاج، وصاحب مخبز الحي الغربي بعووضة عطا رابح الزين، إلى ارتفاع تكلفة الحطب، إذ قفز سعر القنطار من 250 ألف جنيه إلى 370 ألفاً، فضلاً عن تكاليف العمالة والثلج وغيرها من مستلزمات التشغيل.
أما صاحب مخبز الشعب باركويت عبد الكريم محمد عثمان، فيوضح أن تكلفة الجوال زنة 25 كيلوغراماً وصلت إلى نحو 220 ألف جنيه، شاملة المحروقات والتشغيل، الأمر الذي انعكس على حجم الإنتاج والامتيازات التي تقدمها بعض المخابز.
ويختصر صاحب مخبز الشروق المشهد في عبارة واحدة: المواطن يتألم، والفرن يشتكي.
وفرة السلع لا تمنع ارتفاع الأسعار
على مستوى القطاع التجاري، يرى مدير نقطة الجزيرة التجارية خالد سعيد صالح أن ارتفاع أسعار الدقيق لم يرتبط بنقص في السلعة، وإنما جاء في جانب منه نتيجة ارتفاع أسعار العملات الصعبة وتكاليف الترحيل.

ويشير صالح إلى أن الزيادة في أسعار الدقيق تراوحت بين 10 و15 في المئة، رغم وجود وفرة في السلع بالأسواق.
وفي محاولة لتقليل حلقات الوساطة، يكشف مدير نقطة الجزيرة التجارية عن اتجاه وزارة المالية إلى إنشاء أسواق للبيع المخفض ومعارض تتيح البيع بسعر المنتج، بما يتيح للمستهلك الحصول على السلع بعيداً عن تعدد الوسطاء.
تمويل المخابز لاستعادة طاقتها
وفي الوقت الذي تواجه فيه المخابز ارتفاع تكلفة التشغيل، تتجه الجهات المختصة إلى معالجة جانب آخر من المشكلة يتعلق بضعف السيولة والقدرة على توفير مستلزمات الإنتاج.
ويكشف الأمين العام لاتحاد مخابز ولاية الجزيرة وممثل شركات الدقيق مدثر عبد الرحيم عبد الكريم عن شراكات مع بنك التنمية الصناعي وبنك أم درمان الوطني وعدد من البنوك التجارية، بهدف توفير تمويل أصغر للمخابز ومساعدتها على استعادة كامل طاقتها الإنتاجية.
ويضع هذا الاتجاه الأزمة في إطار أوسع من مجرد ضبط سعر الرغيف، باعتبار أن استقرار الخبز يرتبط باستدامة إنتاجه وتوفير مدخلاته بأسعار يمكن للمخابز تحملها.

الوالي يدخل على خط الأزمة
ومع تصاعد شكاوى المواطنين، انتقلت المعالجة من الاجتماعات إلى الميدان.
وقاد والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير، برفقة القيادات الأمنية والاقتصادية بالولاية، جولة على الأسواق والمخابز في ود مدني، للوقوف على حركة السلع ومنافذ توزيع الدقيق ومدى انعكاس أسعار المدخلات على المنتج النهائي.
وأسفرت الجولة عن حزمة إجراءات استهدفت خفض تكلفة إنتاج الخبز وضمان استقرار أسعاره، أبرزها إعفاء غاز المخابز بالكامل لمدة شهر، ومنع فرض أي رسوم محلية على شحنات الدقيق المتجهة إلى محليات الولاية.
كما تم تثبيت سعر الخبز عند ثلاثة أرغفة مقابل ألف جنيه.
المخزون.. عامل حاسم في كسر موجة الارتفاع
ولم تقتصر الإجراءات على خفض بعض تكاليف التشغيل، إذ دعمت الولاية تدخلها بتأمين تدفق الدقيق إلى المخابز.
وبحسب المعطيات المتاحة، توفر شركة «سين» ضخاً يومياً يبلغ نحو ألفي جوال من الدقيق، بينما تتجاوز الكميات الموجودة في مستودعات ومسارات شركة «سيقا» 15 ألف جوال.
وساهم تدفق هذه الكميات في زيادة المعروض بالسوق وتراجع أسعار الدقيق، وهو ما انعكس على تكلفة الإنتاج لدى المخابز.
ما بعد الأزمة.. هل يستمر استقرار الرغيف؟
أزمة الخبز في الجزيرة كشفت أن سعر الرغيف لا يتحدد داخل المخبز وحده، وإنما هو محصلة سلسلة تبدأ من أسعار الدقيق والطاقة والنقل والعمالة وتنتهي بقدرة المواطن على الشراء.

ولهذا فإن الإجراءات الحكومية الأخيرة، رغم مساهمتها في تهدئة السوق، تضع أمام الولاية اختباراً آخر يتعلق باستدامة الحلول، وتأمين الإمدادات، وتشديد الرقابة، وضمان وصول الدعم والإعفاءات إلى المخابز وانعكاسها فعلياً على المستهلك.
وبينما تنفست الأسر الصعداء مع تراجع حدة الأزمة واستقرار سعر الرغيف، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل المعالجة الطارئة إلى سياسة مستدامة تحمي الخبز من تقلبات السوق، وتضمن في الوقت ذاته استمرار المخابز في الإنتاج دون تحميل المواطن كلفة الارتفاعات المتلاحقة في مدخلات التشغيل.
فالرغيف في النهاية ليس مجرد سلعة على رف المخبز؛ بل مؤشر يومي على قدرة الاقتصاد والأسواق والسياسات الحكومية على حماية قوت الأسر.

