سمع وشوف.. خليل فتحي خليل.. نساءٌ من رماد الحرب… يزرعن الضوء في تندلتي

في زمنٍ أرهقت فيه الحرب الأرواح، وبدّلت ملامح المدن، وشرّدت الناس من بيوتهم وأحلامهم، تظل هناك وجوه مضيئة تقاوم الانكسار، وتصنع من الوجع أملاً، ومن النزوح رسالة حياة. هكذا كانت الإعلاميتان؛ إجلال محمد نصر الدين والدكتورة جهاد البدوي، اللتان حملتا معهما وجع الوطن إلى مدينة تندلتي، لكنهما لم تحملا الحزن وحده، بل حملتا أيضاً قلماً حياً، وصوتاً يعرف كيف يزرع الطمأنينة وسط الضجيج.
الحرب، يا سادتي، لا تسرق البيوت فقط، بل تحاول أن تنتزع من الإنسان ذاكرته، وشوارعه القديمة، ورائحة الصباح في الحي، وضحكات الجيران عند المساء. لكن الدكتورة جهاد البدوي، القادمة من دارفور وهي تجر خلفها حنيناً لا ينطفئ، استطاعت أن تهزم قسوة المسافة. جاءت إلى تندلتي وقلبها معلق هناك… في مدينتها التي تركتها تحت دخان الحرب، وفي الطريق المؤدي إلى منزلهم، وفي تفاصيل صغيرة لا يراها غير أصحاب الوجع الحقيقي.
كانت تتذكر شارع البيت، والأشجار التي كانت تحرس طفولتها، والأبواب التي ربما أغلقتها الحرب إلى الأبد. لكنها، رغم ذلك، لم تستسلم للحزن، ولم تجعل النزوح نهاية الحكاية، بل حولته إلى بداية جديدة للعطاء. كتبت عن المؤسسات، ولامست قضايا الناس، وشاركت بقلمها الواعي في رسم ملامح الإصلاح، مؤمنة بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون وطناً مؤقتاً للذين فقدوا أوطانهم.
جهاد ليست مجرد كاتبة عابرة، بل امرأة تعرف كيف تحوّل الألم إلى موقف، وكيف تجعل من الحروف جسراً بين الإنسان وأمله. كانت ترى في الإعلام رسالة، وفي الكلمة مسؤولية، لذلك جاءت كتاباتها مشبعة بصدق التجربة، وحرارة المعاناة، وعمق الإحساس بقضايا المجتمع.
أما الإعلامية والصحفية إجلال محمد نصر الدين، فقد كانت نموذجاً آخر للمرأة السودانية القوية التي تعرف كيف تقف وسط العاصفة دون أن ينكسر صوتها. صاحبة الحضور اللافت والصوت الواثق، استطاعت أن تحجز مكانها في ذاكرة المستمعين عبر إذاعة أم درمان وإذاعة ولاية النيل الأبيض، حيث قدمت نفسها كمراسلة تمتلك أدواتها، وتحمل روحاً مليئة بالشغف والإصرار.
إجلال لم تكن مجرد ناقلة خبر، بل كانت صوت الناس الحقيقي. كانت تدخل إلى القلوب ببساطتها وصدقها، وتمنح الأحداث روحاً مختلفة عبر أدائها المتزن وإحساسها العالي بالكلمة. الإعلام بالنسبة لها لم يكن مهنة فقط، بل مساحة للدفاع عن الإنسان، وعن حقه في أن يُسمع صوته، وأن تُروى حكايته كما ينبغي.
وفي تندلتي، لم تكن المرأتان مجرد نازحتين وصلتا بحثاً عن الأمان، بل تحولتا إلى طاقة إيجابية داخل المجتمع. اختلطتا بالناس، وشاركتا في الحياة اليومية، وأسهمتا في نشر الوعي، وتحريك المياه الراكدة بقلمٍ حر وصوتٍ مسؤول.
وتندلتي نفسها كانت شاهدة على هذا الحضور المختلف. فالمدينة التي احتضنت النازحين بطيبة أهلها، فتحت قلبها لهاتين الإعلاميتين، فبادلتاه الحب بالعطاء، والكلمة بالموقف، والعمل بالإخلاص.
إن أجمل ما في الإنسان السوداني أنه، مهما أثقلته الحرب، يظل قادراً على النهوض. وها هما جهاد وإجلال تقدمان درساً عظيماً في الصبر والقوة؛ امرأة جاءت من دارفور تحمل ذاكرة مدينة موجوعة لكنها لم تتوقف عن الحلم، وأخرى حملت ميكروفون الإعلام لتقول إن السودان ما زال بخير ما دام فيه من يؤمن بالكلمة النبيلة.
وفي زمنٍ كثرت فيه الخسارات، تبقى مثل هذه النماذج علامات مضيئة في الطريق، تؤكد أن المرأة السودانية ليست مجرد شاهدة على الأحداث، بل صانعة لها، وقادرة على تحويل المحنة إلى رسالة، والنزوح إلى بداية جديدة للحياة.

