كلمة حق.. خليل فتحي خليل يكتب: حين يتحول الفشل إلى عبء على الوطن

في زمن الحرب، لا مكان للمواقف الرمادية، ولا مجال للمزايدة على آلام شعب أنهكته الحرب، ولا وقت للشعارات التي لا تنتج خبزاً ولا أمناً ولا سلاماً.
ومن هنا تأتي كلمة الحق، مهما كانت قاسية، ومهما أغضبت البعض.
يا مجموعة صمود والائتلاف وتأسيس، إن المسؤولية الوطنية أكبر من البيانات والخطابات والاجتماعات المغلقة. الشعب السوداني اليوم يعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخه، والناس في المدن والقرى ومناطق النزوح يدفعون ثمناً باهظاً لهذه الحرب، بينما ينتظرون من القوى السياسية والمدنية أفعالاً حقيقية تفتح أبواب الخروج من الأزمة، لا مواقف تزيد المشهد تعقيداً.
لقد أصبح المواطن السوداني يسأل: ماذا قدمتم؟ وإلى أين تقودون هذا البلد؟ وما هو مشروعكم الحقيقي لإنقاذ السودان؟.
فالسياسة ليست سفراً دائماً، ولا مؤتمرات في الفنادق، ولا بيانات تتبادلها المنصات. السياسة في وقت الأزمات مسؤولية، وتضحية، واقتراب من الناس، واستماع إلى وجعهم، والعمل من أجل إيقاف نزيف الوطن.
وفي الجهة الأخرى، هناك جنود سودانيون يقاتلون في الخنادق، وهناك أسر تنتظر أبناءها، وهناك مواطنون تركوا بيوتهم قسراً، وهناك أطفال حُرموا من مدارسهم، ومرضى ينتظرون العلاج، وأمهات يعشن على الدعاء والخوف.
السودان لا يحتمل المزيد من التعقيد.
قد يختلف الناس حول الجيش، وقد تختلف القوى السياسية والمدنية حول أسباب الحرب ومساراتها، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المواطن السوداني هو الذي يدفع الثمن الأكبر.
ولذلك، فإن أي قوة سياسية أو مدنية لا تضع إنقاذ الإنسان السوداني وإنهاء الحرب واستعادة الدولة وبناء السلام في مقدمة أولوياتها، ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً أمام محكمة الشعب والتاريخ.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الانقسام.
نحتاج إلى عقلاء يجمعون ولا يفرقون، وإلى سياسيين يرون السودان قبل مصالحهم، وإلى أصوات شجاعة تقول الحقيقة لكل الأطراف، وتضغط من أجل وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطرق أمام المساعدات، والعودة إلى مشروع وطني جامع.
ومن لا خير فيه لأهله، يصعب أن ينتظر منه الناس خيراً لوطنه.
الوطن ليس ملكاً لحزب، ولا لجماعة، ولا لقوة سياسية، ولا لمؤسسة عسكرية. السودان ملك لشعبه، وكل من يتصدر المشهد مطالب بأن يثبت بالفعل لا بالقول أنه يعمل من أجل هذا الشعب.
أما الاستمرار في الخصومات السياسية بينما يموت السودانيون، ويتشردون، ويفقدون مصادر رزقهم، فليس بطولة سياسية، وإنما فشل في قراءة اللحظة التاريخية.
يا أهل السياسة…
خففوا عن السودان.
اتركوا الحسابات الصغيرة، وانظروا إلى وطن ينزف.
اقتربوا من الناس، واسمعوا أصوات النازحين، والأمهات، والشباب، والعمال، والمزارعين، والطلاب، وأصحاب المهن، وكل الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب كارثة لم يختاروها.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الذين يجيدون الكلام، وإنما يحتاج إلى رجال ونساء يجيدون العمل، والتنازل، والحوار، وصناعة السلام.
هذه ليست دعوة لإقصاء أحد، وإنما دعوة إلى مراجعة صادقة.
فمن أراد أن يكون له مكان في مستقبل السودان، فليضع السودان أولاً.
ومن أراد أن يتقدم الصفوف، فليحمل مع الناس ثقل هذه المرحلة، لا أن يكتفي بمراقبتها من بعيد.
وسيكتب التاريخ كل شيء.
سيكتب من وقف مع الوطن عندما كان الوطن في محنة، ومن جعل من الأزمة فرصة للمكاسب السياسية.
كلمة أخيرة مني لكل أهل الفنادق وأهل الانقسامات التي يقتاتون منها:
السودان أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع، ومن يراهن على إرهاق الشعب السوداني أو استمرار الانقسام سيخسر في النهاية أمام إرادة هذا الشعب.
نريد سوداناً آمناً، موحداً، حراً، مستقراً، يتسع للجميع.
ولذلك نقولها بوضوح: الوطن أولاً… والشعب أولاً… والسلام أولاً.

