وجه الحقيقة.. إبراهيم شقلاوي يكتب: الثروة المنسية

بالأمس، في مجموعة، ملتقى الموارد المائية، طُرحت “قائمة ذهبية” لخبراء القطاع، فأثارت نقاشًا بين المختصين حول الأسماء ومعايير الاختيار. لكن قيمة الفكرة في تقديري تتجاوز القائمة إلي الأهم : أين هذا الرصيد من الخبرات، ولماذا لا يتحول إلى مورد حاكم لصناعة القرار؟ فالمسألة لا تخص المياه والري وحدهما، إذ يُرجح أن تختزن الصحة والتعليم العالي والعدل والصناعة والزراعة وغيرها رصيدًا مماثلًا من الكفاءات والخبرات.
لذلك ينبغي أن تمتلك كل وزارة ومؤسسة قاعدة بيانات لخبرائها وكفاءاتها، ضمن سجل وطني متكامل للخبرات. فالتخصصات تتشعب، وقد تكمن القيمة في كفاءات غير معروفة إعلاميًا، لكنها تصبح حاسمة عند الحاجة. لذلك، لا ينبغي أن يكون معيار الاختيار الشهرة ، بل التخصص والخبرة وسجل الإنجاز وصلته بالحاجة الفعلية للتطوير. فالمطلوب ليس جمع الأسماء، وإنما بناء منظومة تستعيد الخبرات المبعثرة وتحول المعرفة الكمية إلى مورد مؤسسي حاضر في التخطيط وصناعة السياسات والقرار.
والأهم أن قاعدة البيانات لا ينبغي أن تكون مجرد سجل للأسماء، بل منصة وطنية للمعرفة والخبرة، تتضمن السيرة المهنية والعلمية، ومجال التخصص، والخبرات، والمشروعات التي شارك فيها كل خبير، والبحوث والدراساتظ والإنجازات، بحيث تستطيع الجهات الحكومية والجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص الرجوع إليها عند الحاجة.
وبهذا ننتقل من قائمة خبراء، قابلة للاختلاف حولها إلى نظام لإدارة الخبرة الوطنية، وتوظيفها بما يحفظ المعرفة ويجعلها قابلة للاستخدام.
وهنا تتسع الفكرة إلى إصلاح المؤسسات : لماذا لا يكون لكل وزارة مجلس استشاري يضم كفاءاتها وخبراءها السابقين؟ لا لإعادة استعادة المناصب كما يفهم البعض ، بل لاسترداد الذاكرة العملية ، فمَن أسس مشروعًا أو أدار أزمة أو صاغ سياسة يحمل معرفة بالتفاصيل والنجاحات والإخفاقات لا توفرها التقارير وحدها. إن توثيق هذه الخبرة وربطها بصناعة القرار يحول تراكم التجربة من ذاكرة أفراد إلى رصيد مؤسسي تستفيد منه الدولة.
هذه الرؤية تكتسب أهمية أكبر في مرحلة ما بعد الحرب، حيث يحتاج السودان إلى إعادة بناء المنشآت والمؤسسات الي جانب إعادة بناء الذاكرة المؤسسية . وما لم نحفظ خبرات الذين بنوا وأداروا وخططوا، فإننا قد نضطر في كل مرحلة إلى البدء من الصفر، ونكرر الأخطاء ذاتها، بينما تتوفر بين أيدينا خبرات وطنية يمكن أن تختصر سنوات من التجربة.
ومن ثم، فإن “القائمة الذهبية” لخبراء المياه والري يمكن أن تكون نقطة انطلاق جيدة، لأنها كشفت الحاجة إلى مشروع قاعدة بيانات وطنية لخبراء الموارد المائية والري، تتسع لكل الأجيال والتخصصات، وتُحدّث بصورة مستمرة، وتخضع لمعايير واضحة ، وتربط الخبرة بالحاجة الوطنية.
إن السودان اليوم لا يعاني نقصاً في العقول بقدر ما يعاني ضعفاً في تنظيم المعرفة والاستفادة منها. ولذلك فإن حفظ الخبرات ليس تكريماً للماضي، بل هو استثمار في المستقبل. فالدولة التي تحفظ أسماء خبرائها وتجاربهم ، تستطيع أن تبني على ما أنجزه السابقون، وتمنح الجيل الجديد فرصة أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا من حيث بدأوا وهناك تجارب في الدول من حولنا، فالتجربة المصرية والتجربة التركية والصينية مثال لذلك .
وربما آن الأوان لأن ننظر إلى قواعد البيانات الوطنية باعتبارها جزءاً من البنية التحتية للدولة، مثلها مثل الطرق والمياه والكهرباء، لأن المعرفة إذا لم تُحفظ وتُنظم وتُتاح في الوقت المناسب، تتحول مع مرور الزمن إلى خبرة مهدرة. أما إذا حُفظت وأُديرت جيداً، فإنها تصبح قوة ناعمة للدولة، وذاكرة مؤسسية منتجة، ورصيداً استراتيجياً لصناعة القرار والتنمية.
فإعادة الإعمار تبدأ باستعادة قدرة الدولة على التفكير والتخطيط والإدارة. وإذا دفعت الحرب بكفاءات كثيرة إلى الخارج، فلا ينبغي أن تتحول الهجرة إلى فقدان للمعرفة، بل إلى رصيد يمكن استدعاؤه عبر سجل وطني موحد.
يبدأ ذلك بتوحيد المعايير وحصر قواعد البيانات، واتخاذ المياه والري نموذجًا أوليًا، ثم التوسع إلى بقية القطاعات وربط الوزارات والجامعات والمؤسسات المهنية وخبرات الخارج، وصولًا إلى مجالس استشارية وبنك للمعرفة المؤسسية. فالمعيار ليس عدد الأسماء، بل قدرة الدولة على تحويل الخبرة المتراكمة إلى سياسات ومشروعات وقرارات، وحفظها للأجيال.
وبحسب #وجه_الحقيقة، فالمشكلة ليست في القائمة ، بل في دولة تملك العقول ولا تملك نظامًا لإدارتها. آن الأوان للانتقال إلى ثقافة المؤسسات، من الاحتفاء بالخبير إلى توظيف الخبرة، ومن حفظ الأسماء إلى حفظ ذاكرة الدولة. فالسودان لا يفتقر إلى الكفاءات، بل يهدرها بتشتتها بين الداخل والخارج والمؤسسات. لذلك، فإن إنشاء سجل وطني ديناميكي للخبرات وبنك للمعرفة المؤسسية يعد شرطًا مهما لإعادة بناء الدولة، إذ لا يمكن لبلد أن يعيد بناء مشروعاته بينما يبدد عقول من شيدوها. فالمعرفة التي لا تُدار تتحول، مهما عظمت، إلى ثروة مهدرة منسية.
دمتم بخير وعافية
الخميس 10 سبتمبر 2026م
Shglawi55@gmail.com
#الثروة_المنسية #الخبرات_الوطنية #إدارة_المعرفة #الذاكرة_المؤسسية #إعادة_بناء_الدولة #صناعة_القرار #الكفاءات_السودانية #التنمية #إصلاح_الدولة #المعرفة_الوطنية

