مقالات

يسرية محمد الحسن تكتب: ورحل ملك المنوعات!..

نعاه الناعي بالأمس، فوقع صدى ذلك علينا عظيمًا!
فبالأمس، حين كنا أطفالًا زغب الحواصل، نرتع ونلعب في حوش تلفزيون السودان، كان ذلك في أواخر ستينيات القرن الماضي. كانت لنا فقرات في ذياك الزمان البهيج في برنامجنا المحبب «جنة الأطفال»، حيث أعدّته وقدّمته صفية الأمين، وكان الإخراج لزوجها محمد حسين.

كان شابًا وسيمًا يرتدي بدلة زرقاء، وقميصًا أبيض، وربطة عنق حمراء، هي لبسته المفضلة التي يقدم بها برنامجه الأشهر بالتلفزيون آنذاك، تحت الأضواء.

رغم صغر أعمارنا وقتها، لكننا كنا نتسمّر أمام شاشة التلفاز لنحضر برنامجه. لا تفوتنا حلقة واحدة أبدًا. تفتحت أعيننا وأفئدتنا، بل ومواهبنا، على هذا الإبداع الرائع من هؤلاء الفطاحلة الأوائل: حمدي بولاد، سمير أبو سمرة، متوكل كمال، أبو بكر عوض، وغيرهم من الذين تشكّل وجدان السودانيين على إبداعاتهم.

كنا، بعد أن نؤدي بروفاتنا لبرنامجنا «الجنة» مع القامة الإعلامية الخطيرة، ماما صفية، كما تحب أن نناديها، نهرول صوب الإذاعة السودانية، يحدونا شوق كبير لرؤية مذيعيها ونجومها الكبار.

كان الأستاذ حمدي بولاد يسجل برنامجه الإذاعي الصباحي الأشهر «إشراقة الصباح»، مع العبقرية الرائعة ليلى المغربي. نستمع إليهما من خلف زجاج غرفة التسجيل، وصدقًا، ونحن في ذياك العمر النضر، كان الإبهار يأخذ بنا، والإبداع يحتوينا، والبهجة تدغدغ أوصالنا الصغيرة!
أكاد أجزم أن برامج الأستاذ حمدي بولاد بالجهازين، الإذاعة والتلفزيون، لم يأتِ أحد من فطاحلة الإبداع بمثلها أبدًا، ولا أظن أن ذلك سيحدث حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

كان ينتقي ضيوف برامجه انتقاءً، ويدوّن فقراتها بمداد التميز واحتكار للمهنة! ذو صوت رخيم، جميل، عذب. لم يكن يقف عند محطات برامج المنوعات فقط، بل كان إذاعيًا شاملًا، ونجمًا من نجوم نشرات الأخبار بالإذاعة والتلفزيون، ومعلمًا ومدربًا للمذيعين ومقدمي البرامج.

كان من أوائل الإعلاميين الذين ابتُعثوا إلى خارج البلاد، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، ودولة فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، التي نال فيها شهادات التميز والتفرد في إعداد وتقديم البرامج الجماهيرية.
حظيت حقبة الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات بكم هائل من إنتاج برامج مختلفة، عُمّرت بها مكتبتا الإذاعة والتلفزيون، واستمتع بها الجمهور على امتداد المليون ميل مربع، فضلًا عن اكتشافه للعديد من فناني الصف الأول، فكانت إطلالاتهم في برامجه بالجهازين سببًا لشهرتهم وإحرازهم المراكز المتقدمة في الفن الغنائي السوداني الحديث.

كان من الذين تشرفنا وسعدنا بتدريبهم لنا من بعد ذلك لنصير مذيعين بالإذاعة السودانية. وما زلنا إلى الآن نقتفي أثره ونتتبع خطواته، علّنا نصل، بعد طول هذه السنوات، إلى اليسير مما وصل إليه هو.
ألا رحم الله أستاذنا الفخيم، وأنزل شآبيب رحمته على قبره، وجزاه عن جمهوره العريض وشعب السودان خير الجزاء.
حمدي بولاد، رضي الله عنك بقدر إسعادك لنا، ونسأل الله لك الدرجات العُلا من الجنة.
اللهم آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى