مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: البرهان وترامب.. منطق القوة واختبار المصالح

في السياسة، قيمة الرسالة لا تُقاس بمن يتلقاها، بل بموازين القوى التي تحيط بها. ومن هذا المنطلق، تكتسب رسالة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن دعم جهود إحلال السلام ووقف الحرب، أهمية تتجاوز بعدها الدبلوماسي إلى اختبار حقيقي لمستقبل العلاقة بين الخرطوم وواشنطن.

الخرطوم لا تخاطب واشنطن من فراغ، وواشنطن لا تتحرك خارج حسابات مصالحها. فالحرب أفرزت واقعاً سودانياً أكثر تعقيداً، وأثبتت أن الضغوط الخارجية، مهما تعددت أدواتها، لا تكفي وحدها لفرض تسوية سياسية. ومن ثم، فإن أي مراجعة أمريكية لموقفها ينبغي أن تنطلق من قراءة واقعية لموازين القوى، لا من افتراض أن الأزمة تمنح الخارج حق تحديد مستقبل السودان.

جوهر المسألة هو الانتقال من سياسة الضغط إلى سياسة التفاهم. فالعقوبات والمواقف المتشددة قد ترفع كلفة الخلاف، لكنها لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية. أما الحوار المباشر، إذا استند إلى المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة، فيمكن أن يفتح مساراً أكثر جدوى لمعالجة الأزمة، من دون المساس بسيادة السودان أو اختزال خياراته الوطنية في حسابات خارجية.

تحمل رسالة البرهان دلالة سياسية مهمة: الاستعداد للسلام لا يتناقض مع التمسك بالثوابت الوطنية، كما أن الانفتاح على واشنطن لا يعني منحها تفويضاً مفتوحاً في الشأن السوداني. فالدبلوماسية ليست إعلان تنازل، بل تفاوض على المصالح والضمانات وشروط التسوية. ومن هنا، تتحدد قيمة الخطوة بقدرتها على تحويل التواصل السياسي إلى نتائج ملموسة.

في المقابل، تواجه الخرطوم مسؤولية إدارة هذه الفرصة بعقلية الدولة، لا بمنطق الاكتفاء بالمواقف المعلنة. فالتطورات الميدانية، أياً كان اتجاهها، لا تتحول تلقائياً إلى مكاسب سياسية؛ وإنما تتطلب رؤية تفاوضية تحدد الأولويات، وتحصّن القرار الوطني، وتمنع استثمار المبادرات الدبلوماسية في ترتيبات لا تحقق سلاماً مستداماً.

وتبرز هنا أهمية الدول الشقيقة والصديقة، لا باعتبارها مجرد قنوات لنقل الرسائل، بل أطرافاً يمكنها المساعدة في بناء تفاهمات قابلة للتنفيذ. غير أن نجاح الوساطة يظل رهيناً بوضوح الغايات، واحترام سيادة السودان، ومعالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بتفاهمات مؤقتة تؤجل المواجهة من دون أن تنهي أسبابها.

الاختبار الحقيقي لواشنطن ليس في إعلان دعم السلام، بل في ترجمة هذا الموقف إلى سياسة متسقة. والاختبار الحقيقي للخرطوم هو قدرتها على استثمار التواصل الدبلوماسي في حماية مصالحها وإنهاء الحرب. وبين الاختبارين، تبقى النتيجة مرتبطة بمدى استعداد الطرفين للانتقال من تبادل الرسائل إلى تفاهمات محددة بشأن الأمن والسيادة ومستقبل الاستقرار.

في المحصلة، لا ينبغي التعامل مع رسالة البرهان بوصفها انتصاراً سياسياً محسوماً أو تحولاً أمريكياً مؤكداً، بل باعتبارها فرصة لقياس اتجاه العلاقة وإمكانات إعادة بنائها. فالسياسة تُحسم بقدرة الدول على تحويل أوراق القوة إلى اتفاقات قابلة للحياة، لا بمجرد امتلاكها. وإذا أفضى هذا التحرك إلى وقف الحرب وصون وحدة السودان واستعادة أمن مواطنيه، فستكون قيمته الحقيقية قد تجاوزت حدود الرسالة إلى مصلحة الدولة والشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى