يقظة أمة.. د. ميمونة سعيد أبورقاب تكتب: التعايش الاجتماعي وأهميته في تحقيق السلام

في أوقات الأزمات والصراعات تبرز قيمة التعايش الاجتماعي باعتبارها إحدى أهم الركائز التي تحفظ تماسك المجتمعات وتمنع انزلاقها إلى الفوضى والانقسام. فالتعايش الاجتماعي لا يعني مجرد العيش المشترك بين مكونات المجتمع المختلفة، وإنما يمثل منظومة من القيم القائمة على الاحترام المتبادل والتسامح وقبول الآخر وتغليب المصالح الوطنية على الانتماءات الضيقة. ومن هنا فإن تحقيق السلام والاستقرار لا يمكن أن يتم بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى بيئة اجتماعية متماسكة تؤمن بالحوار والتعاون ووحدة المصير.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تتمتع بدرجة عالية من التماسك الاجتماعي تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات والتغلب على آثار الحروب والنزاعات. فحينما تتوحد الإرادة الوطنية وتتراجع النزعات القبلية والجهوية والعرقية، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه من محاولات التفكيك والاستقطاب التي تستهدف النيل من وحدته واستقراره.
وفي ظل الظروف التي يمر بها السودان، تبرز أهمية التعايش الاجتماعي كحائط صد قوي أمام محاولات بث الفرقة والكراهية بين أبناء الوطن الواحد. فالسودان ظل عبر تاريخه وطنًا للتنوع الثقافي والاجتماعي، ولم يكن هذا التنوع يومًا مصدر ضعف، بل كان أحد عناصر قوته وغناه الحضاري. ولذلك فإن المحافظة على هذا التنوع في إطار الوحدة الوطنية تمثل ضرورة استراتيجية لبناء السلام وتعزيز الاستقرار.
كما يشكل التعايش الاجتماعي سندًا مهمًا للمؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة، التي تضطلع بمسؤولية حماية الدولة والحفاظ على وحدتها وسيادتها. فكلما كان المجتمع متماسكًا ومتعاونًا، أصبحت القوات المسلحة أكثر قدرة على أداء واجبها الوطني، لأن الجبهة الداخلية القوية تمثل العمق الاستراتيجي لأي مؤسسة عسكرية. أما عندما تنتشر الخلافات والانقسامات وخطابات التحريض، فإن ذلك يفتح المجال أمام القوى المعادية لاستغلال الثغرات وإضعاف وحدة المجتمع والدولة.
ومن هنا فإن دعم القوات المسلحة لا يقتصر على الجوانب المادية أو المعنوية فحسب، بل يمتد إلى تعزيز قيم التماسك الوطني ونبذ الفتن والخلافات التي تؤثر على وحدة الصف. فالمجتمع المتماسك يساهم في سد الثغرات التي يمكن أن تنفذ منها الشائعات والأجندات الهدامة، ويعزز مناعة الدولة في مواجهة التحديات المختلفة.
وفي هذا السياق تبرز خطورة خطاب الكراهية بوصفه أحد أخطر التهديدات التي تواجه المجتمعات خلال فترات الأزمات. فخطاب الكراهية يعمل على تأجيج الصراعات وإثارة الأحقاد وتقويض الثقة بين مكونات المجتمع، الأمر الذي ينعكس سلبًا على جهود السلام والاستقرار. ولذلك فإن محاربة هذا الخطاب مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني، وصولًا إلى كل فرد يدرك أن الكلمة قد تكون أداة بناء كما قد تكون وسيلة هدم.
إن السلام الحقيقي لا يتحقق بتوقف القتال فقط، وإنما يتحقق عندما تسود قيم التسامح والتعايش والتعاون بين أفراد المجتمع. وعندما يدرك الجميع أن قوة الوطن تكمن في وحدته، وأن الاختلاف لا يعني العداء، يصبح بناء المستقبل أكثر سهولة واستقرارًا. فالتعايش الاجتماعي ليس خيارًا مؤقتًا تفرضه الظروف، بل هو ضرورة وطنية وأساس متين لتحقيق السلام وترسيخ الأمن وتعزيز وحدة السودان، بما يضمن مستقبلاً أكثر استقرارًا وازدهارًا للأجيال القادمة.
* باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية

