مقالات

خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: ألا نتعلم من الدروس السابقة

عندما يصبح الحماة جلادين… انتهاكات حقوق الإنسان في عبري
في يوم واحد في بلدة عبري، يُزعم أن القوات المكلفة بحماية المواطنين تحولت إلى مصدر رعب. وفقاً لشهادة مفصلة من سيدة محلية، أطلقت الشرطة حملة من الغاز المسيل للدموع، واعتقالات تعسفية، واقتحامات للمنازل، وإذلال قائم على النوع الاجتماعي. نُزعت النقاب عن النساء، وفُتحت قمصانهن أمام الغرباء، وسُلبت كرامتهن. هذه الرواية، إذا تم التحقق فيها، لا تمثل تجاوزات معزولة بل حالة نموذجية لانتهاكات منهجية لحقوق الإنسان. هذا المقال يحلل تلك الانتهاكات المزعومة في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان، مع التركيز على الحق في التجمع السلمي، وحظر التعذيب والمعاملة المهينة، وحماية الخصوصية والمنزل، وضعف النساء بشكل خاص أثناء الاحتجاز.

الحق في التجمع السلمي والحرية من الاعتقال التعسفي
يضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في المادة 20، “حق كل شخص في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية”. كما صادق السودان على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحمي هذا الحق بنفس القدر، ولا يسمح بتقييده إلا بما هو “ضروري في مجتمع ديمقراطي” للسلامة العامة أو النظام. لذلك فإن الاحتجاجات السلمية – أي التي لا تنطوي على عنف أو تحريض على العنف – هي أنشطة محمية.

تصف شهادة عبري “محتجين” و”مواطنين” تعرضوا “للغاز” و”الاعتقالات” دون أي ذكر لأعمال عنف من جهتهم. إذا كان هؤلاء المحتجون غير مسلحين وسلميين، فإن استخدام الغاز المسيل للدموع والاعتقالات الجماعية يشكل احتجازاً تعسفياً واستخداماً مفرطاً للقوة. بموجب القانون الدولي، يجب أن يستند الاعتقال إلى سبب قانوني محدد وأن يكون متناسباً. إن جولات الغاز العشوائي داخل الأحياء السكنية، كما ورد، تفشل في كلا الاختبارين.
التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة
تنص المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه “لا يجوز إخضاع أي شخص للتعذيب ولا لمعاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة”. وتعرّف اتفاقية مناهضة التعذيب التعذيب بأنه ألم أو معاناة شديدة يحدثها أو يسمح بها موظف رسمي لأغراض مثل التخويف أو العقاب.

تذكر شهادة عبري أفعالاً تندرج بوضوح في هذه الفئة: “قلع النقاب عن النساء”، “فتح القمصان”، “محاولات الاعتداء والترهيب”. حتى لو كان الألم الجسدي ضئيلاً، فإن الإذلال الذي لحق بالنساء – كشف أجسادهن في مجتمع محافظ تعتبر فيه العفة قيمة جوهرية – يشكل معاملة مهينة. هذه الأفعال مصممة لكسر الروح، لإهانة ليس فقط الفرد بل عائلته ومجتمعه بأسره. وقد أكدت الهيئات الدولية، بما فيها لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، باستمرار أن العنف القائم على النوع الاجتماعي والمعاملة المهينة أثناء الاحتجاز أو قمع الاحتجاجات هي أشكال من التعذيب.
انتهاك الخصوصية وحرمة المنزل
يعلن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 12: “لا يجوز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته”. ويعزز العهد الدولي هذا الأمر بقوله “لا يجوز أن يتعرض أحد لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصيته أو مسكنه، ولا لهجمات غير قانونية على شرفه وسمعته”.

تدّعي شهادة عبري أن الشرطة دخلت الأحياء السكنية و”انتهكت حرمات البيوت”. حتى في حالات الطوارئ، يتطلب القانون الدولي أن يكون دخول المنزل قانونياً (بناءً على مذكرة قضائية أو ظروف طارئة واضحة) ومتناسباً. إن دخول المنازل الخاصة لتفريق المحتجين أو إجراء اعتقالات دون أمر قضائي هو انتهاك صارخ. فهو يحول كل منزل إلى ساحة معركة محتملة، ويدمر الإحساس بالأمان الذي هو أساس الحياة الأسرية.
العنف القائم على النوع الاجتماعي كتكتيك حكومي
لعل أكثر العناصر إثارة للقلق في رواية عبري هو الاستهداف المنهجي للنساء. إن قلع النقاب وفتح القمصان ليست أفعالاً عشوائية؛ بل هي تكتيكات متعمدة للإذلال القائم على النوع الاجتماعي. يعرّف إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة العنف ضد المرأة بأنه “أي عمل عنف قائم على أساس الجنس يؤدي إلى ألم أو معاناة جسدية أو جنسية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد بمثل هذه الأفعال، أو الإكراه، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث في الحياة العامة أو الخاصة”.

عندما يرتكب موظفو الدولة مثل هذه الأفعال، فإنهم ينتهكون عدة التزامات دولية. تتطلب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة من الدول “اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من قبل أي شخص أو منظمة أو مؤسسة”. إن استخدام أجساد النساء كأدوات ترهيب هو انتهاك خطير بشكل خاص لأنه يسخر الأعراف الأبوية: الإذلال مصمم لإسكات المجتمع بأكمله، حيث تخاف العائلات على شرف بناتها وزوجاتها.

المسؤولية الجماعية ومساءلة القائد
تشير الشهادة صراحة إلى “رئيس اللجنة الأمنية” بتحمله المسؤولية الكاملة عن سلامة المحتجين والمواطنين. وهذا يعكس مبدأ مسؤولية القيادة في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي. بموجب عقيدة المسؤولية الرئاسية، يمكن تحميل القائد أو المسؤول مسؤولية جنائية عن جرائم يرتكبها مرؤوسوه إذا كان يعلم أو كان ينبغي أن يعلم بالجرائم وفشل في منعها أو معاقبتها.

وبالتالي، حتى لو تصرف أفراد الشرطة بشكل فردي، فإن التسلسل القيادي لا يمكنه الإفلات من المساءلة. كان على رئيس اللجنة الأمنية واجب ضمان تدريب القوات الخاضعة لسيطرته على إدارة الحشود القانونية، وحظر القوة المفرطة، والتحقيق الفوري في أي انتهاكات ومقاضاتها. إن حجم وطبيعة الانتهاكات المزعومة يوحي بفشل نظامي – أو أسوأ، بنمط مصرح به.
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الأحداث الموصوفة في عبري، إذا كانت صحيحة، ليست تجاوزات مؤسفة؛ بل هي فهرس لانتهاكات جوهرية لحقوق الإنسان: قمع التجمع السلمي، والاعتقال التعسفي، والمعاملة المهينة، وانتهاك حرمة المنزل، والعنف القائم على النوع الاجتماعي. القانون الدولي واضح: لا يمكن تبرير مثل هذه الأفعال بدعوى الحفاظ على النظام العام. بل إن الدول التي تلجأ إلى هذه التكتيكات تفقد الشرعية التي تدعي الدفاع عنها.

تختتم الشاهدة بعبارة قوية: “الشارع الذي خرج مطالباً بحقوقه لن يعود إلى الخلف، وصوت الجماهير لن تكسره الهراوات ولا البنادق”. ذلك الصوت هو صوت الكرامة الإنسانية. على المجتمع الدولي – والمحاكم الوطنية – أن يصغي. يجب محاسبة الجناة، ويجب أن تنال الضحايا عدالتها. عندها فقط يمكن أن يصبح الحماة حراساً حقيقيين للقانون، بدلاً من أن يكونوا منتهكيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى