دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: السلوك الإيجابي

بعد حرب الخامس عشر من أبريل، لم يعد السودان يحتمل أن تظل الممارسة السياسية أسيرة الاحتجاج والمطالب، أو أن تختزل في ثنائية الحكومة والمعارضة. فقد تجاوزت الأزمة حدود الصراع على السلطة إلى أزمة دولة ومؤسسات ومجتمع، الأمر الذي يفرض على الفاعلين السياسيين الانتقال من مجرد تحديد مواطن الخلل إلى المشاركة في صناعة الحلول. فالسلوك الإيجابي لا يعني التخلي عن النقد أو التنازل عن المواقف، وإنما يعني أن يتحول الموقف السياسي إلى مسؤولية، وأن يصبح الاعتراض مدخلاً للإصلاح لا غاية في ذاته.
والسلوك الإيجابي، في تقديري، ينبغي أن يكون سلوكاً مؤسسياً لا مجرد مواقف فردية أو ردود أفعال عابرة. فمن يتحفظ على الحوار السوداني– السوداني أو على لجنة التهيئة، من حقه أن يطرح تحفظاته كاملة، لكن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يقترن ذلك ببديل عملي: من يعترض على التمثيل يقترح صيغة أكثر شمولاً، ومن يرى خللاً في الإدارة يقترح آلية أكثر استقلالاً، ومن يرفض مخرجات متوقعة يطرح مخرجات بديلة قابلة للتنفيذ. وبذلك ينتقل العمل السياسي من سياسة الرفض إلى ثقافة البديل، ومن رد الفعل إلى الفعل المنظم. وهذا الدور لا يقتصر على الأحزاب والقوى السياسية، بل يشمل النقابات والجامعات والمهنيين والمجتمع المدني والقطاع الخاص والسودانيين في الداخل والخارج؛ فلكل مؤسسة أو مجموعة أو فرد مساحة يستطيع أن يسهم من خلالها في إعادة بناء الوطن.
ومن هنا تأتي أهمية ما تناولته مقالات «الحوار وإن طال السفر»؛ فالحوار الذي نريده ليس اتفاقاً بين النخب على اقتسام السلطة، وإنما وسيلة للانتقال من إدارة الأزمة إلى تأسيس الدولة. ولذلك فإن قبول الحوار أو رفضه ليس هو المعيار وحده، وإنما ما الذي يقدمه كل موقف للسودان من حلول وبدائل؟ وفي المقالات الثلاث القادمة سنتوقف عند أبرز القوى التي ترفض الحوار، لا لمحاكمة نواياها، وإنما لفهم مواقفها، وقراءة أسباب الرفض، وطرح السؤال الذي لا يمكن تأجيله: إذا كان الحوار مرفوضاً، فما البديل؟ وإذا كان البديل غير مطروح، فإلى أين يقودنا الرفض؟.
الخرطوم 24 سبتمبر 2026

