في الحقيقة.. ياسر زين العابدين المحامي يكتب: نغمة الكوز والفلول

أسوأ الخداع أن تسلب عقل الشخص ثم تغيّبه عن الحقيقة عن عمد، فيتلهّى.
عليه يصدق أنك قديس مبرأ من العيوب، ويوقن أنك من يقوده إلى الفردوس.
ثم يحلف أن الأشياء ليست هي الأشياء، ويحدق بلا وجه، ويرقص بلا ساق.
ويدّعي أنه مملوكك، لكنه سلطان العشاق.
ثم فجأة يكتشف أنه مقيم في الجحيم.
لقد طبقوا “سواقة الخلاء” بتفاصيل تافهة.
والأسوأ معرفة الحقيقة بعد خريف العمر.
أن العملاء قد سوّقوا للوهم بغباء كريه.
روّجوا لبغض الكوز، واستهلكوا هذه السلعة.
كان الوضع مهيأً تماماً ليخرجوا من الجب.
نعم، الإنقاذ لم تكن بكامل قواها العقلية.
زاد غرورها عندما رأت خيلها متزاحمة.
فذهب زبدها جفاءً، وبقي ما ينفع الناس.
كان يجب معالجة أخطائها برؤية وروية.
وليتهم قد أنجزوا ما هو مفيد وضروري.
واعترفوا بأزمات مزمنة وجب معالجتها.
و((أنجزوا بناء جدار قوي يحمي الثورة)).
وضمدوا الجراح، ومنعوا الغبائن أن تدلف.
ولم يقسموا الناس أشتاتاً ويثيروا الكراهية.
ولم يؤثروا هذا على ذاك، ووطنوا للقيم.
والتزموا عهوداً ومواثيق، ونفذوها بشفافية.
و((رتقوا فتقاً صعب على راتق الإنقاذ)).
وفكوا ضائقة المعاش، ولم يرهقونا عسراً.
وصاغوا دستوراً من واقعنا غير مستورد.
واستصحبوا قضايا ملحة أجمعنا عليها.
وأسسوا لحكم دولة المؤسسات لا الفرد.
وهيأوا للانتخابات ولو جاءت بالشيطان.
وأقاموا مؤسسات الدولة ولم يماطلوا.
ولم يفرطوا في السيادة، ولم ينتقصوها.
ولم يتخذوا الدعم السريع قريباً وظهيراً.
ولم يدفعوا بالإطاري إلى طاولة المساومات.
((لأنه النار التي أحرقت الهشيم عدواً)).
لم يعوا الدرس، ولم يقرأوا كتاب التاريخ.
((فزهو السلطة يقود إلى فجّة الموت)).
((فقدان الأهلية يقود لبطلان التصرف)).
((والغباء يدفعك إلى دفع الثمن باهظاً)).
((والادعاء الأخرق يؤدي إلى النهايات بقوة)).
مضوا بالتأزيم والتأليم والتقطيع بغباء.
والعدالة الانتقالية ممكنة وقادرة لتفصل.
لكنهم ضلوا الطريق، واستنوا درباً مظلماً.
توهموا أن الشارع فوّضهم لفعل ما يشاؤون.
ولم يوقع أو يفوضهم أحد، وكانت وهماً.
((ظنوا أن العزف على نغمة الكيزان كافٍ)).
وأن تفكيك جسم الكيزان والقضاء عليه يزيدهم قرباً من الشارع، إنه تفكير مختل.
فقادونا لما نحن فيه الآن من معاناة.
غرقوا في شبر ماء، ثم أغرقونا في اليم.
أداروا الدولة بلا أهلية ولا خطة ولا فكرة.
فعلوا ما هو نكاية بالإنقاذ، بمخالفة للدين.
واستوطن الرعب والقلق، وضنك العيش.
وغاب الأمن والأمان، وتكرس الانتقام.
وهتاف: (بي كم قحاتة باعوا الدم) حاضر.
والإطاري والمتمرد الباغي وحلف إبليس.
ذات نغمتهم تغيّرت من “كوز” إلى “فلول”.
وذات شعارهم “التحول المدني” مطلبهم.
((زاد التمرد عليه كيل بعير.. دولة 1956)).
إنهم والتمرد روح واحدة في جسدين.
((صمود وتأسيس وجهان لعملة واحدة)).
بل إنهما رذيلتا هذا الزمن الأغبر المأفون.
فما قاله الفكي منقة إنهما متفقان جملة وتفصيلاً في الرؤية والفكرة، بل والخطة.
يؤكد أنهما خاضا المعركة المنكب بالمنكب.
والحافر بالحافر، وتطابقت الأحلام تماماً.