محمد عثمان الرضي يكتب: السفير معاوية عثمان خالد.. إهانة الصحفيين أمام السفراء وسقوط أبجديات الدبلوماسية!

أن يُخرج وكيل وزارة الخارجية الصحفيين من قاعة لقاء دبلوماسي أمام السفراء، بعد أن دعاهم للحضور والتغطية، ثم يعيدهم بعد انتهاء الاجتماع ليلقي عليهم تصريحات مقتضبة دون أن يسمح لهم بسؤال واحد، فهذه ليست مجرد سقطة تنظيمية عابرة، وإنما واقعة تكشف خللاً مؤسسياً في فهم قيمة الإعلام وطبيعة التعامل معه.
ما حدث اليوم في قاعة أمانة حكومة ولاية البحر الأحمر بمدينة بورتسودان لا ينبغي أن يمر باعتباره تفصيلاً صغيراً في أجندة وزارة الخارجية. فالمسألة أكبر من كاميرات أُخرجت من قاعة، وأبعد من صحفيين حُرموا من طرح الأسئلة؛ إنها تتعلق بطريقة تعامل الرجل الثاني في وزارة الخارجية مع السلطة الرابعة، أمام ممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى السودان.
عقد وكيل وزارة الخارجية، السفير معاوية عثمان خالد، ظهر اليوم السبت، لقاءً تنويرياً مع رؤساء وممثلي البعثات الدبلوماسية، تناول الاعتداءات المنسوبة إلى إثيوبيا، من خلال إطلاق طائرات مسيّرة من داخل أراضيها باتجاه الأراضي السودانية، وما ترتب على تلك الهجمات، وفق المعلومات المطروحة، من سقوط قتلى وجرحى بين المواطنين وتدمير مؤسسات خدمية، وفي مقدمتها محطات الكهرباء.
كان يفترض أن يكون هذا اللقاء مناسبة لإظهار قدرة الدبلوماسية السودانية على مخاطبة العالم بلغة واضحة ومهنية، وأن يكون الإعلام شريكاً في نقل هذه الرسالة وتوسيع نطاق وصولها. لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً.
فبعد أن حضر الصحفيون ونصبوا كاميراتهم استعداداً لتغطية الحدث، صدرت إليهم توجيهات بمغادرة القاعة فوراً، بحجة أن اللقاء مخصص للبعثات الدبلوماسية وحدها. تخيلوا هذا المشهد: صحفيون تمت دعوتهم للحضور، وصلوا إلى موقع اللقاء، استعدوا لأداء واجبهم المهني، ثم طُلب منهم الخروج أمام السفراء!
أي منطق إداري هذا؟ وأي تقدير مهني يجعل مؤسسة بحجم وزارة الخارجية تتعامل مع الصحفيين بهذه الطريقة؟ إذا كان اللقاء مغلقاً، فمن الذي سمح بإرسال الدعوات؟ وإذا كانت هناك اعتبارات دبلوماسية تمنع حضور الإعلام، فلماذا لم تُحسم هذه المسألة قبل وصول الصحفيين؟.
الأكثر غرابة أن الصحفيين أُعيد السماح لهم بالدخول بعد انتهاء اجتماع السفراء، ليجدوا أنفسهم أمام وكيل الوزارة الذي تحدث بلهجة مقتضبة وغاضبة، ثم غادر المنصة دون أن يتيح لهم فرصة للمداخلة أو طرح الأسئلة. وكأن المطلوب منهم أن يكونوا مجرد جمهور لتصريحات جاهزة، لا صحفيين يمارسون حقهم المهني في الاستيضاح والمساءلة.
وهنا لا بد من توجيه السؤال مباشرة إلى السفير معاوية عثمان خالد: هل هذه هي الطريقة التي ترى بها وزارة الخارجية التعامل مع الإعلام؟ وهل أصبح الصحفيون عبئاً على اللقاءات الدبلوماسية إلى الدرجة التي تستوجب إخراجهم من القاعات، ثم استدعاءهم لسماع حديث لا يسمح حتى بسؤال؟.
إن منصب وكيل وزارة الخارجية ليس مجرد موقع إداري أو لقب بروتوكولي، بل مسؤولية تفرض على شاغله إدراك حساسية التعامل مع المؤسسات الإعلامية، خصوصاً في ظروف الحرب التي يخوض فيها السودان معركة دبلوماسية وإعلامية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.
ومن غير المقبول أن تتحول الدعوة الصحفية إلى وسيلة لإرباك الصحفيين وإهدار وقتهم، أو أن يُتركوا تحت رحمة قرارات ارتجالية تتغير من لحظة إلى أخرى. فالاحترام المهني لا يتجزأ، ولا يجوز أن يُمنح للإعلاميين عندما تحتاج الوزارة إلى نشر رسائلها، ثم يُسحب منهم عندما يريدون ممارسة حقهم في السؤال.
والأشد غرابة أن الواقعة لم تكن وحدها عنوان الارتباك؛ فقد شهدت القاعة ملاحظات واضحة في التحضير والتنظيم، من بينها تجهيز واختبار أجهزة الصوت أمام السفراء، وهي تفاصيل كان ينبغي حسمها قبل وصول الضيوف. كما حدث موقف مع ممثل سفارة دولة الكويت، الذي حضر قبل الموعد بنحو نصف ساعة، وطلب منه بعض المنظمين الانتظار في إحدى القاعات الجانبية إلى حين بداية اللقاء، لكنه أصر على البقاء في موقعه.
هذه التفاصيل مجتمعة تطرح سؤالاً عن مستوى الإعداد للمناسبات الدبلوماسية، وعن مدى وجود تنسيق مسبق بين الإدارات المعنية بتنظيم مثل هذه اللقاءات. فوزارة الخارجية ليست مؤسسة عادية، وإنما واجهة الدولة أمام العالم، وأي ارتباك في أدائها ينعكس على صورتها ومصداقيتها.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن ضرورة حشد الدعم الدولي وكشف الاعتداءات التي يتعرض لها السودان، فإنها تحتاج إلى إعلام محترم ومطلع وقادر على نقل رسالتها. ولا يمكن أن تطلب الوزارة من الصحفيين أن يكونوا صوت السودان في الخارج، ثم تتعامل معهم داخل قاعاتها وكأن وجودهم أمر غير مرغوب فيه.
أما استمرار وجود البعثات الدبلوماسية في مدينة بورتسودان، رغم عودة الحياة إلى أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم، فهو ملف آخر يحتاج إلى تحرك جاد من وزارة الخارجية، لتذليل العقبات الأمنية واللوجستية التي تحول دون عودة البعثات إلى العاصمة، واستعادة الخرطوم لدورها الطبيعي مركزاً للعمل الدبلوماسي.
نحن نحترم دور وزارة الخارجية في معركة الكرامة، ونقدر الجهود التي تبذلها في مخاطبة المجتمع الدولي، لكن ذلك لا يمنح أي مسؤول حصانة من النقد، ولا يبرر التغاضي عن تصرفات تمس كرامة الصحفيين وتنتقص من دورهم. فالمؤسسات لا تُحمى بالصمت عن أخطائها، وإنما بتصحيحها ومحاسبة المسؤول عن التقصير الإداري والمهني.
يا سعادة السفير معاوية عثمان خالد، لا يكفي أن تجلس أمام السفراء لتشرح لهم ما يتعرض له السودان من اعتداءات، بينما تعجز وزارتكم عن إدارة لقاء صحفي بصورة تحترم أبسط قواعد التواصل المهني. إن إخراج الصحفيين أمام السفراء ثم إعادتهم لسماع تصريحات بلا أسئلة لم يكن مجرد خطأ في التنظيم، بل رسالة سلبية عن الطريقة التي يُنظر بها إلى الإعلام داخل مؤسستكم.
والأكثر إيلاماً أن يحدث ذلك في وزارة يُفترض أنها تعرف قيمة الكلمة، وتدرك أن معركة السودان الخارجية لا تُكسب بالبيانات وحدها، وإنما بإعلام حر ومهني وشريك في صناعة الموقف الوطني.
إن كان وكيل وزارة الخارجية لا يريد أسئلة الصحفيين، فليعقد لقاءاته بعيداً عنهم، ولا يدعوهم إلى قاعات ثم يخرجهم أمام السفراء.
فالصحفي ليس تابعاً لوكيل الوزارة، والإعلام ليس ديكوراً بروتوكولياً، والصحافة ليست مكبر صوت للبيانات الرسمية. ومن لا يحتمل سؤال الصحفيين، عليه أن يراجع فهمه لمسؤولية المنصب قبل أن يطلب من الإعلام احترام مؤسسته.

