مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: رَسَّلتَ ليك… فَاكْرَك حَنِين!

أغنية «يا جميل يا حلو» لصالح الضي، أغنية لا تستأذن الذاكرة قبل أن تدخلها، ولا تحتاج إلى مناسبة كي توقظ في القلب شيئاً قديماً اسمه الحنين. من أول كلمة، يبدو النص بسيطاً، لكن بساطته مخادعة. «يا جميل يا حلو.. الدم الشربات مكملو» صورة غزلية شديدة الخصوصية، فيها لون ودم وحياة، وفيها مفردة سودانية تمنح الجمال ملمساً شعبياً بعيداً عن التكلف، ثم يقول: «في الغرام مين يشغلو.. يا قلبي حاول واسألو»، فينتقل الشاعر من مخاطبة الحبيب إلى مخاطبة قلبه، وكأن العاشق نفسه أصبح عاجزاً عن إدارة عاطفته.

الإبداع الحقيقي يظهر عندما تختصر الأغنية سنوات الحب في عبارة: «قول ليهو بس من كلمتين.. الحب ده ناس اتبادلوا». كلمتان فقط، لكنهما تحملان معنى المشاركة والاعتراف والانتظار. ثم تأتي: «آه لو تدوق طعم الحنين.. بألف يوم ما تبدلو»، هنا تتحول العاطفة إلى حاسة، فالحنين أصبح له طعم يُذاق، وما يُذاق لا يُنسى. هذه ليست زخرفة لغوية، وإنما صورة تجعل الإحساس شيئاً محسوساً.

هنا يترك الشاعر الغزل لحظة، ويدخل إلى فلسفة الزمن: «في الدنيا كم من جميل.. الدهر خانو وبدلو». الجمال هنا ليس ضماناً للبقاء، الدهر يبدّل الوجوه والأحوال، ولذلك يصبح الرهان الحقيقي على الإخلاص: «شوف ريدي صادق نبيل.. أوعك تحاول تجهلو»، إنه لا يقول للمحبوب أحبني فقط، بل يقول له: اعرف قيمة ما أقدمه لك.

لكن النص يبلغ قمة تأثيره في: «رسلت ليك فاكرك حنين.. يا حليل حنان الماسلو». كلمة رسلت تحمل مسافة، وفاكرك تحمل ذاكرة، وحنين يحمل غياباً كاملاً. ثلاث كلمات تكاد ترسم قصة حب بأكملها، أما «يا حليل» فهي من أكثر المفردات السودانية قدرة على استدعاء الماضي، كلمة صغيرة، لكنها محمّلة بالفقد والأسى والاشتياق.

ثم تأتي الطعنة الهادئة: «بعد الدموع أشكيك لمين؟»، السؤال هنا أقوى من الشكوى، لأن من نريد أن نشكو منه هو نفسه من نبحث عنه، لذلك يصبح العاشق أسيراً للحب حتى في لحظة الألم، ويختم الشاعر: «مهما تصد في كل حين.. جبر الخواطر أقبلو»، فلا يطلب انتصاراً ولا انتقاماً، وإنما يطلب جبر الخاطر، هذه ربما أرقى درجات العتاب: أن يتألم الإنسان ولا يفقد رغبته في الصلح.

أما اللحن، فجماله أنه لم يحاول أن يكون أكبر من النص. إنه لحن يعرف أن الكلمة هي البطلة، فيمنحها مساحة للتحرك والتنفس. ينحاز إلى الانسياب حين يكون الكلام غزلاً، ويتكئ على الشجن حين يصبح الكلام حنيناً ودموعاً، ولذلك لا تسمع الموسيقى منفصلة عن المعنى، تشعر أن اللحن نفسه يحنّ.

هنا ظهرت عبقرية صالح الضي. صوته لم يكن مجرد وسيلة لنقل الكلمات، كان تفسيراً لها. صوته الدافئ، المليء بالمساحة العاطفية، يجعل المستمع يشعر أن المغني لا يؤدي قصة شخص آخر، وإنما يستعيد شيئاً من حياته، لا يصرخ في موضع الألم، ولا يبالغ في استعراض قدراته؛ يترك الإحساس يتقدم وحده، فيصبح الهدوء أكثر وجعاً من الصراخ.

استقرت «يا جميل يا حلو» في وجدان السودانيين؛ لأنها لا تتحدث عن حبيب فقط، وإنما عن حالة يعرفها كل من أحب وفقد وانتظر. قد يسمعها أحدهم فيتذكر امرأة، وآخر يتذكر رجلاً، وثالث يتذكر بيتاً أو شارعاً أو مدينة أو زمناً بأكمله. الأغنية القديمة لا تعيد الماضي كما كان؛ إنها تعيد إحساسنا به.

وهذه هي قيمة أغنيات الزمن الجميل: كلمة لها معنى، وصورة لها روح، ولحن له شخصية، وصوت له بصمة. لم تكن الأغنية تحتاج إلى ضجيج كي تعيش؛ كانت تملك ما هو أقوى من الضجيج: الصدق.

إني من منصتي أستمع… حيث أقول: «يا جميل يا حلو» هي رسالة من قلب أصرّ على الوفاء رغم الصد، واختار الحنين رغم الألم، وختم حكايته برجاء إنساني بالغ الرقة: «جبر الخواطر أقبلو!».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى