خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: معضلة عودة الجامعات السودانية: بين البقاء الوطني والسلامة البشرية

عندما هاجمت قوات الدعم السريع السودان، لم تقتصر على السيطرة على الأراضي، بل قامت بتدمير ونهب المدارس والجامعات بشكل ممنهج، محوّلة مراكز التعلم إلى ثكنات عسكرية وهياكل خربة ورمزاً للانهيار الوطني. رداً على ذلك، انتقلت العديد من الجامعات السودانية إلى الخارج أو إلى مناطق خالية من الحرب داخل البلاد، وأصبحت تعمل في المنفى أو في ظروف مؤقتة. مؤخراً، أصدر وزير التعليم العالي أمراً بالعودة: يجب أن تتوقف الجامعات عن العمل من خارج السودان وتستأنف أنشطتها بالكامل داخل حدوده. هذا القرار، الذي وُلد من يأس شديد للحفاظ على الهوية الوطنية ووقف نزيف الأدمغة، محفوف بالمخاطر. ورغم أنه يقدم فوائد رمزية واقتصادية طويلة الأجل، إلا أنه يتجاهل الحقيقة الوحشية المتمثلة في أن قوات الدعم السريع لا تزال تشكل تهديداً مميتاً، فضلاً عن انهيار البنية التحتية الأساسية. وعلى وجه الإجمال، فإن الأمر سابق لأوانه وخطير، إذ يُعطي الأولوية للرمزية الوطنية على حساب السلامة الجسدية للطلاب وأعضاء هيئة التدريس.
على الجانب الإيجابي، يسعى توجيه الوزير إلى الدفاع عن السيادة الفكرية للسودان. فالعمل في الخارج، في تشاد أو مصر أو كينيا، وإن كان عملياً، يؤدي تدريجياً إلى فصل جيل كامل عن وطنه. العودة إلى الأراضي السودانية ـ حتى إلى الحرم الجامعي المتضرر في مدن شرقية أكثر أماناً نسبياً مثل بورتسودان أو عطبرة ـ تعزز رسالة مفادها أن الدولة لم تُهزم. وهي تروي رواية الدعم السريع عن الانهيار الكامل وتؤكد أن مستقبل السودان سيتشكل من الداخل. علاوة على ذلك، فإن المنفى الطويل يؤدي إلى تسريع هجرة الأدمغة. فالطلاب والأساتذة الذين يستقرون في الخارج غالباً ما يجدون وظائف، أو يلتحقون بمؤسسات أجنبية، ولا يعودون أبداً. ومن خلال فرض العودة، يأمل الوزير في الاحتفاظ برأس المال البشري داخل البلاد، وهو مورد حيوي لإعادة الإعمار بعد الحرب. هناك أيضاً مبرر اقتصادي فوري: فالعمل في الخارج يتطلب عملة صعبة للإيجار والتأشيرات والرواتب الأجنبية، مما يستنزف احتياطيات السودان المنهكة. أما العمليات المحلية، حتى في المرافق المتضررة، فتقلل الاعتماد على النقد الأجنبي. وأخيراً، يحمل القرار وزناً رمزياً. فاستئناف الفصول الدراسية على الأراضي السودانية، في ظل تهديد الحرب، هو عمل تحدٍ ـ إعلان بأن الدعم السريع لا يستطيع محو المستقبل الفكري للأمة.
غير أن هذه الإيجابيات المحتملة تطغى عليها سلبيات خطيرة للغاية. وأكثرها جوهرية هو استمرار التهديد على الأرواح. لقد استهدفت قوات الدعم السريع تحديداً المثقفين والطلاب والبنية التحتية التعليمية. وحتى في “المناطق الخالية من الحرب”، لا يوجد ضمان للأمان ـ فالهجمات الجوية، والغارات عبر الحدود، والخلايا النائمة تظل مخاطر حقيقية. إن مطالبة الطلاب بالعودة هي مطالبتهم بقبول احتمال غير صفري للموت أو الإصابة أو العنف الجنسي. هذه ليست مخاطرة افتراضية؛ إنها الحقيقة المعاشة للصراع المستمر في السودان.
ثم تأتي الصعوبات اللوجستية اليومية التي تجعل العودة مستحيلة عملياً: فالنقل إلى المدن الجامعية الآمنة نسبياً تحول إلى كابوس. الطرق الرئيسية إما مقطوعة بسبب نقاط التفتيش المسلحة التابعة للدعم السريع، أو مزروعة بالألغام، أو مدمرة بالكامل. الحافلات الخاصة شبه مفقودة، وتكاليف النقل التجاري ارتفعت بشكل خيالي بعد أن تضاعفت أسعار الوقود عشرة أضعاف. حتى لو وصل الطالب إلى مقر الجامعة، فإنه يواجه غياباً شبه كامل لخدمات المياه. شبكات المياه العامة تحطمت، وآبار الجامعات إما نهبت أو جفت، ولا توجد صهاريج مياه كافية. الطلاب يضطرون للبحث عن مياه غير صالحة للشرب من الآبار الضحلة، مما ينذر بانتشار الكوليرا والتيفوئيد. أما الكهرباء، فهي رفاهية نادرة: بعض المدن لا تحصل على ساعة واحدة يومياً، ومعظم الحرم الجامعية تعتمد على مولدات الديزل التي لا تتوفر لها الوقود أو قطع الغيار. تخيل محاضرة في قاعة مظلمة، بلا تهوية، في حرارة خمسين درجة مئوية، ولا ماء للشرب ولا ليد غسلها. هذا ليس تعليماً، بل هو شكل من أشكال التعذيب.
وبعيداً عن العنف المباشر، فقد تم تدمير البنية التحتية المادية للتعليم العالي بشكل منهجي. المكتبات محترقة، والمختبرات نهبت من كل سلك وأنبوب، وخوادم الكمبيوتر محطمة، والمهاجع تحولت إلى ركام. العودة تعني عقد محاضرات في غرف بدون سقف، تفتقر إلى الكهرباء والمياه النظيفة والإنترنت. طلاب الطب والهندسة لن يجدوا مختبرات صالحة للعمل. ستنهار جودة التعليم، مما ينتج خريجين بشهادات لكن بدون مهارات عملية ـ شهادة جوفاء لا تخدم الطالب ولا الوطن.
التكلفة البشرية أكثر وضوحاً. الملايين من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس أصبحوا الآن لاجئين. أمرهم بالعودة يضعهم أمام خيار مستحيل: التخلي عن شهاداتهم أو العودة إلى الخطر. كثيرون منهم يعانون بالفعل من الفقر، غير قادرين على تحمل تكاليف السفر أو الإيجار أو الرسوم. الطالبات يواجهن مخاطر شديدة من الاختطاف والاعتداء على الطرق الخاضعة لميليشيات الدعم السريع. إن فرض العودة سيخلق على الأرجح موجة جديدة من النزوح مع فرار العائلات مرة أخرى من الحرم الجامعي غير الآمن. والأهم من ذلك، أن المدن الآمنة مثل بورتسودان تفتقر إلى المياه والسكن والرعاية الصحية والصرف الصحي لاستيعاب عودة جماعية للطلاب. الاكتظاظ سيؤدي إلى تفشي الأمراض وتوترات اجتماعية.
والأهم من ذلك، أن الأمر يتجاهل بديلاً مثبتاً: التعلم الإلكتروني والمدمج عالي الجودة. أثناء النزوح، نجحت العديد من الجامعات السودانية بنجاح في التحول إلى الفصول الرقمية المتزامنة، والمكتبات الافتراضية، والمحاضرات المسجلة. هذا النموذج آمن ومتاح وشامل. الطلاب ذوو الإعاقة، أو أولئك الذين يرعون أفراد أسرهم، أو المحاصرون في مناطق سيطرة الدعم السريع، يمكنهم جميعاً المشاركة. العودة الإلزامية إلى الحرم الجامعي تستبعدهم جميعاً. كما أنها تتجاهل أن العديد من الطلاب الآن موزعون عبر قارات متعددة ـ المرسوم لا يمكنه إعادتهم بطريقة سحرية.
أخيراً، هناك خطر استراتيجي. لقد أظهرت الدعم السريع أنها تعتبر التجمعات المدنية أهدافاً عسكرية. العودة الجماعية للطلاب والأساتذة قد تثير هجوماً جديداً على المناطق الآمنة حالياً، مما يسبب موجة أخرى من الموت والنزوح. قد يحقق الأمر عكس ما هو مقصود: فبدلاً من الحفاظ على التماسك الوطني، قد يحطم آخر الملاذات الآمنة المتبقية.
في الختام، قرار وزير التعليم العالي مفهوم كعمل من أعمال اليأس الوطني، لكنه غير قابل للتطبيق وخطير في ظل الظروف الأمنية واللوجستية الحالية. الإيجابيات ـ الهوية الوطنية، تقليل هجرة الأدمغة، التوفير الاقتصادي، التحدي الرمزي ـ حقيقية لكنها لا يمكن أن تفوق يقين المخاطر على حياة البشر واستحالة تحقيق تعليم ذي معنى في حرم جامعي يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة: طريق آمن، قطرة ماء، وكهرباء. هناك طريق أكثر حكمة: نموذج هجين يعترف بالعودة كهدف طويل الأجل، وليس مرسوماً فورياً. ينبغي للحكومة حماية التعلم عن بعد وتوسيعه، وإنشاء مراكز جامعية صغيرة ومحمية دولياً في أكثر المدن الشمالية والشرقية أماناً، والبدء في التخطيط لإعادة الإعمار المادي فقط بعد وقف إطلاق نار ذي مصداقية وانسحاب الدعم السريع من المدن الجامعية. في الوقت الحالي، إن أمر الطلاب بالعودة إلى الركام ليس استراتيجية لإعادة بناء السودان ـ بل هو دعوة إلى مأساة. مستقبل البلاد يعتمد على العقول الحية، وليس المباني الفارغة. حماية تلك العقول يجب أن تأتي أولاً.

