قبل أن تغادر م.خالد حسن إبراهيم يكتب: هل أحزابنا السودانية قادرة على قيادة سفينة الدولة للتنمية أم نقول مرحبا للتجميد؟

السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل سؤال مصيري يطرح نفسه مع كل منعطف يمر به السودان.
التنمية لا تحدث بالشعارات، بل بخطة واضحة، وإدارة كفؤة، واستقرار سياسي يحمي القرار الاقتصادي من التقلب.
الواقع يقول إن المشهد الحزبي يعاني أزمة بنيوية.
انقسامات داخلية متكررة، وغياب التداول الديمقراطي داخل البيت الواحد، يجعل الثقة العامة تهتز.
حين ينشغل التنظيم بمعاركه الذاتية، يغيب عن معركة الوطن الأساسية: لقمة العيش، الخدمات، والإنتاج.
سفينة الدولة تحتاج قبطانًا يرى الأفق، لا من ينشغل بالجدال حول من يقف على الدفة.
التنمية تتطلب تركيزًا على ملفات محددة: الزراعة، الطاقة، التعليم الفني، وجذب الاستثمار.
هذه ملفات لا تحتمل التسييس اليومي ولا الشعارات الموسمية.
المواطن لم يعد يبحث عن انتماء، بل عن نتيجة ملموسة.
طريق معبد، مستشفى يعمل، كهرباء مستقرة، سعر ثابت.
إذا عجزت المكونات السياسية عن تقديم ذلك، يصبح وجودها عبئًا لا سندًا.
بلغت الأحزاب السياسية 180 حزبا منها حوالي المائة حزبا مسجلا !!! وبلغت الحركات المسلحة حوالي 92 حركة مسلحة!!
أليس هذا في حد ذاته شيء من العبث ومقامرة بمستقبل البلد وتحطيم لأمال الأجيال فيه ونتساءل لماذا تكثر موجات الهجرة خارج البلاد؟ لأن شبابنا يتطلع ويجد سحب سوداء تقودها قيادات سياسية تتكالب على مصالحها وتتصارع على كراسي السلطة وتلهث حول الغنائم وليس همها التنمية أو تطور البلاد او نهضتها..!
لو نظرنا لتأريخ التنمية في البلاد نجد أن التنمية على قلتها تمت في (1958 – عبود / 1969 – نميري / 1989 – البشير) ولا يجد مشروعات تنموية واضحة قامت بها الأحزاب وبل يجد أن الحركات المسلحة دمرت التنمية التي صنعتها الحكومات العسكرية!
دعوتنا هذه لا تعني إلغاء العمل السياسي أو مصادرته.
فالديمقراطية تحتاج منابر قوية، لكنها تحتاج أحزابًا مسؤولة أيضًا.
المسئولية تبدأ بالاعتراف بالقصور، ثم بالمراجعة، ثم بتقديم بدائل قابلة للتنفيذ.
الخيار المؤقت قد يكون إفساح المجال لحكومة تكنوقراط غير حزبية.
حكومة تدير الملفات الحيوية بعيدًا عن المحاصصة، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن.
هذه الهدنة السياسية ليست نهاية، بل فرصة لإعادة ترتيب البيت من الداخل.
التجميد ليس عقابًا، بل مراجعة إجبارية. مراجعة للقوانين وتحديد لعدد الأحزاب ونشاطها وهياكلها الداخلية وحجم الحرية وتداول السلطة والشفافية داخلها وتمويلها وعلاقتها بالخارج ودورها في نهضة البلاد وإنشاء أجهزة رقابة وضبط للعمل السياسي وكما تتيح القوانين لغير المنتمين للأحزاب الفرصة للمشاركة السياسية، مطلوب مراجعة تفرض على الجميع سؤالًا واحدًا: ماذا قدمت وستقدم للمواطن السوداني العادي في حياته اليومية؟ .
من يملك إجابة مقنعة، يعود أقوى. ومن لا يملك، يفسح الطريق لغيره.
إن سفينة السودان تتقاذفها الأزمات، والقيادة تتطلب رؤية تتجاوز المحاصصة والشعارات. كثير من التشكيلات السياسية تعاني انقساما داخليا وغياب برنامج اقتصادي واضح وتفتقر للشورى والديمقراطية وبل بعضها تطاله اتهامات بخدمة أعداء الوطن وقاتلي الشعب وبعضها يضع أولوية لأجندة دول أخرى ومتهم بالتبعية لها …و….و.، فلذا تعتبر هذه الكيانات عائقا لنهضة البلاد وللتنمية
.
التنمية تحتاج كفاءات وطنية مخلصة ، التنمية تحتاج عقول مستنيرة غير مقيدة بالتبعية والولاء الحزبي أو القبلي أو الجهوي .
التنمية تحتاج لشباب متطلع يقوده الإخلاص للوطن والطموح لرقيه واستقراره.
التنمية تحتاج لشراكات عالمية ذكية شعارها المصلحة المشتركة
( win win relationship )
أثبتت هذه الأحزاب فشلها في تجديد خطابها وممارستها وكل يوم تزداد صورتها قبحا ولذلك يصبح تجميد نشاطها خيارا مؤقتاً ضرورياً يفتح المجال لحكومة تكنوقراط تنقذ المرحلة وتشفي جراح الشعب وتعيد الثقة قبل العودة للعمل السياسي الراشد.
فالتنمية لا تنتظر فهي سؤال الساعة وواجب المرحلة فالشعب المكلوم لا يستطيع أن يتحمل فوق جراحه جراح.

