دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الرافضون للحوار (1)

لم يعد الحوار السوداني– السوداني مجرد فكرة تنتظر أن تجد طريقها إلى الواقع؛ فقد أصبحت الدعوة إليه حاضرة، بدرجات وصيغ مختلفة، في الأوراق والمبادرات السودانية، وفي المساعي الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام معالجة الأزمة السودانية.
وعلى اختلاف هذه الطروحات في رؤاها وأولوياتها وآلياتها، فإن القاسم المشترك بينها هو الإقرار بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى بالحرب وحدها، وأن معالجة جذور الأزمة تقتضي حواراً سودانياً يشارك فيه السودانيون، ويقود إلى صيغة تتجاوز إدارة الصراع إلى تأسيس الدولة. ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من هم الذين يرفضون الحوار أو يتحفظون عليه؟ وهل يرتبط موقفهم بالخلاف حول شكله وآلياته وضماناته، أم برفض مبدئه، أم بما قد يترتب عليه من نتائج؟ فالرافضون للحوار ليسوا فريقاً واحداً؛ فمنهم من يستند إلى الماضي، ومنهم من ينطلق من تجربة الانتقال، ومنهم من يطرح مشروعاً تغييرياً جذرياً. وبين هذه المواقف اختلافات كبيرة، وإن اجتمعت عند نقطة واحدة: عدم المشاركة في الحوار المطروح بصيغته الحالية.
ونبدأ بمجموعة النظام البائد، التي ظلت طوال ثلاثين عاماً متمكنة من مفاصل الدولة ومؤسساتها، ولم تفقد، بعد سقوط نظام الثلاثين من يونيو، كل مكتسباتها دفعة واحدة. فقد أتاح ضعف الخبرة وقلة التجربة لدى بعض من تصدروا قيادة الثورة والمرحلة الانتقالية، في نظر منتقدي تلك التجربة، فرصة لظهور الصف الثاني والثالث من كوادر النظام السابق في مواقع مختلفة، الأمر الذي ساهم في عودة الحرس القديم إلى مواقع مؤثرة، وأبقى التساؤل قائماً حول مدى اكتمال التغيير الذي خرج من أجله السودانيون. كما أن استمرار حضور بعض منسوبي النظام البائد في مفاصل الدولة، واستفادتهم من قرارات أعادت بعضهم إلى واجهة الاتحادات المهنية والنقابية، يمثل أحد التعقيدات التي لا يمكن تجاهلها عند النظر إلى مستقبل الدولة. ومن هذه الزاوية، قد لا ترى هذه المجموعة مصلحة في حوار يضع تجربة الثلاثين عاماً أمام مراجعة سياسية وقانونية، أو يهدد ما تبقى من نفوذها ومكتسباتها.
غير أن معالجة هذا الواقع لا تكون بإقصاء الأشخاص لمجرد انتمائهم السياسي، كما لا تكون بفتح الطريق أمام إعادة إنتاج النظام السابق ورموزه. فالقاعدة الأعدل هي الفصل بين الحق في المشاركة السياسية، وبين المسؤولية عن أي جرائم أو انتهاكات تثبت أمام القضاء. والحوار الجاد لا ينبغي أن يكون محكمة سياسية، ولا وسيلة لإعادة الماضي، وإنما إطاراً يضع قواعد واضحة للمشاركة، ويحمي الدولة من إعادة إنتاج الأزمات. وإذا كان الحوار هو الطريق الذي تلتقي حول ضرورته، بدرجات مختلفة، المبادرات السودانية والمساعي الإقليمية والدولية، فإن مسؤولية «أهل الوجعة» أن يجعلوه طريقاً إلى دولة القانون، لا باباً خلفياً لاسترداد النفوذ. ومن هنا تبدأ قراءة مواقف الرافضين للحوار: لا لإقصائهم، وإنما لفهم ما وراء مواقفهم، وما إذا كان رفض الحوار يحمي المستقبل أم يعيد إنتاج الماضي.
الخرطوم 25 سبتمبر 2026

