من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: قالها ومضى!

هناك كلمات تسمعها بالأذن ثم تنتهي، وهناك جمل عظيمة ومؤثرة تسكن الوجدان ولا تنتهي. و(قالها ومضى) من النوع الثاني؛ لأنها لا تحكي عن الشهيد من بعيد، بل تجعله يتحدث بنفسه، يودع رفاقه، يستشعر اقتراب أجله، ثم يمضي.
كلمات ود العوض جاءت مشبعة بالجمال البلاغي والصور الروحية، ففي (نفسي تحدثني إني مفارقكم) يتحول الرحيل إلى إحساس داخلي، وفي (شوقاً تواعدني) يصبح الفراق موعداً، بينما تأتي المقابلة الجميلة البديعة لتمنح النص عمقاً روحياً وإيحاءً واسعاً.
والأجمل أن الشاعر لم يجعل الموت صرخة خوف، بل جعله يقيناً هادئاً ممزوجاً بالشوق والطمأنينة، ثم يختم دائرة الفراق بقوله: (والحوض يجمعنا)، فيتحول الوداع من نهاية موجعة إلى وعد باللقاء.
أما لحن خالد عبد الكريم فجاء وفياً للنص، هادئاً وشجياً، تتخلله دوزنات حزينة ولمسات موسيقية تشبه تنهيدة طويلة، لم يزاحم اللحن الكلمة، بل كشف ما وراءها، وجعل الحزن يصل إلى المستمع دون صخب.
وجاء أداء فرقة الصحوة ليمنح العمل بعداً جماعياً مؤثراً، فالأصوات المتعانقة تبدو كأنها أصوات رفاق يودعون رفيقاً يعرفون أنه ذاهب إلى طريق بلا عودة.
ولذلك فإن (قالها ومضى) ليست مجرد أنشودة فحسب، بل مرآة لمن يحمل السلاح في الخنادق. هناك، حيث ينام المقاتل وسلاحه إلى جواره، ويضع الوطن في جهة والأهل في جهة، تصبح هذه الكلمات شيئاً من الزاد الروحي، تذكره بأن وراء البندقية قلباً، ووراء الزي العسكري إنساناً يشتاق ويخاف ويحب، لكنه يعرف لماذا يقف.
الأنشودة لا تجعل الشهيد رقماً في قائمة، بل تعيده إنساناً يتحدث ويودع ويطمئن رفاقه ثم يمضي.
قالها… ومضى، لكن صوته لم يمضِ.
بقي في اللحن، وفي الكلمات، وفي ذاكرة من سمعه، وفي وجدان كل من يعرف أن خلف كل شهيد حكاية، وخلف كل بندقية قلباً.
من منصتي أستمع حيث أقول: إن بعض الأناشيد تُغنّى، وبعضها يُحفظ، أما (قالها ومضى) فإنها لا تُسمع فحسب… إنها تسري في القلب، وتوقظ الذاكرة، وتترك في الروح صوتاً لا يغادرها حتى بعد أن يصمت النشيد.

