محمد عثمان الرضي يكتب: محمد طاهر عمر… هل تستطيع شركة التعدين أن تحمي ما منحته الدولة؟

يبدو أن لدينا في قطاع التعدين معادلة سودانية جديدة تستحق أن تُدرّس في كتب الاستثمار: الدولة تمنح الترخيص، والشركة تدفع وتعمل، واللجان تدرس وتقرر، ثم يأتي الاعتراض فيوقف كل شيء… أما القانون فيجلس في الصف الأخير متفرجاً!.
هذه هي المفارقة التي تفرض نفسها بقوة في قضية شركة نيرس للتعدين ومنجمها في جبل أبومحمود، بالمنطقة الحدودية بين ولايتي البحر الأحمر وكسلا، حيث لم تكن المشكلة في غياب الإجراءات، وإنما في السؤال الأكثر إحراجاً: من يحمي الإجراءات عندما تتعطل على الأرض؟.
شركة نيرس، وفقاً للمعلومات المتعلقة بالقضية، أكملت إجراءاتها القانونية، وسجلت المنجم، ونالت شهادة خلو نزاع، ثم باشرت أعمال التنقيب حتى وصلت إلى مرحلة الإنتاج في عام 2024.
وبعد أن بدأت عجلة الإنتاج في الدوران، توقفت فجأة إثر اعتراضات من مواطني المنطقة، استناداً إلى قولهم إنهم لم يكونوا على علم بالإجراءات المتعلقة بالمنجم.
الاعتراض حق، وسماع المواطنين واجب، وحماية حقوق المجتمعات المحلية مسؤولية لا خلاف عليها. لكن الدولة لا تستطيع أن تجعل من الاعتراض المحلي بديلاً عن مؤسساتها، ولا أن تسمح بأن تصبح القرارات الرسمية مجرد أوراق جميلة محفوظة في الملفات.
إدارة الشركة، بحسب ما هو مطروح في القضية، حاولت معالجة الأزمة بالحوار والوساطة والتفاوض، لكنها لم تصل إلى نتيجة تعيد النشاط إلى المنجم.
عندها لجأت إلى وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية، باعتبارهما الجهتين المعنيتين بتنظيم النشاط وحسم مثل هذه الإشكالات.
تشكلت اللجان، وانتقل المختصون إلى الموقع، وجرى بحث الحالة، وانتهت الجهات المختصة، وفق المعلومات المقدمة، إلى ما يسمح باستئناف العمل لصالح الشركة.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء: اللجنة تقول استأنفوا العمل… والمنجم يقول حاضر… والشركة تقول جاهزون… لكن العمل لا يستأنف!
إذا كان هذا هو واقع الحال، فإن السؤال لم يعد: من لديه الحق؟ وإنما أصبح: أين تذهب قرارات الدولة بعد صدورها؟ ومن المسؤول عن تحويلها من حبر على الورق إلى واقع على الأرض؟.
وهذه ليست مسألة صغيرة يمكن دفنها تحت عنوان «خلاف محلي». لأن المؤسسة التي تمنح الامتياز وتراقب النشاط وتصدر القرارات مطالبة بأن تكون قادرة على إدارة العلاقة بين المستثمر والمجتمع والدولة، لا أن تكتفي بتسجيل الموقف ثم انتظار الأزمة حتى تنتهي وحدها.
ومن هنا يأتي السؤال السياسي والإداري المباشر إلى الأستاذ محمد طاهر عمر، المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية: إذا كانت مؤسستكم قد درست الملف، وإذا كانت الجهات المختصة قد وصلت إلى موقع المنجم، وإذا كانت النتيجة هي استئناف النشاط، فما الذي يمنع تنفيذ ما تقرر؟.
لا نتحدث هنا عن مطالبة بانحياز المؤسسة إلى شركة نيرس، وإنما عن مطالبة بانحيازها إلى القانون. فالمدير العام لا يفترض أن يكون محامي الشركة ولا ممثل الأهالي؛ مهمته أن يكون حارساً للمنظومة التي تجعل حقوق الطرفين واضحة ومحمية.
وإذا كان هناك حق للمواطنين، فليُثبت ويُحفظ ويُنفذ. وإذا كان هناك حق للشركة، فليُحفظ أيضاً. أما أن يصبح الطرفان عالقين في منطقة رمادية، فهذا يعني أن الإدارة لم تنجح بعد في أداء أهم وظائفها: تنظيم العلاقة ومنع تضارب الحقوق وتحويل القانون إلى ممارسة فعلية.
والأخطر أن المستثمر لا يقرأ البيانات الرسمية فقط؛ بل يراقب ما يحدث عندما تقع أول أزمة. وعندما يرى شركة تستوفي إجراءاتها وتصل إلى الإنتاج ثم يتوقف نشاطها رغم تدخل الجهات الرسمية، فمن الطبيعي أن يعيد حساباته بشأن معنى الاستقرار القانوني في قطاع التعدين.
وهنا ينبغي أن يدرك محمد طاهر عمر أن القضية تجاوزت حدود شركة نيرس. إنها تمس صورة الشركة السودانية للموارد المعدنية نفسها: هل هي مؤسسة تنظيمية تمتلك القدرة على فرض النظام القانوني الذي تديره، أم مجرد جهاز إداري يجيد إصدار التوجيهات أكثر مما يجيد ضمان تنفيذها؟.
ولا يحتاج الأمر إلى اتهام أحد حتى يكون السؤال قاسياً. يكفي أن يكون القرار موجوداً والتنفيذ غائباً حتى يصبح السؤال مشروعاً، ويكفي أن يتوقف الاستثمار رغم اكتمال إجراءاته حتى تصبح المؤسسة مطالبة بتقديم تفسير واضح للرأي العام وللمستثمرين.
كما أن حماية شركات الامتياز لا تعني منحها حصانة من المساءلة، تماماً كما أن الاستماع إلى المواطنين لا يعني منحهم حق تعطيل النشاط إلى أجل غير مسمى. الدولة القوية هي التي تستطيع أن تقول للطرفين في وقت واحد: لكم حقوق، وعليكم واجبات، والقانون هو الحكم.
لذلك فإن المطلوب من محمد طاهر عمر ليس خطاباً جديداً ولا لجنة أخرى تضاف إلى سلسلة اللجان، وإنما موقفاً تنفيذياً واضحاً: تحديد حقوق كل طرف، معالجة أي حقوق مشروعة لأهل المنطقة، إزالة أسباب التعطيل، وضمان أن يكون قرار الدولة قابلاً للتنفيذ لا مجرد توصية تنتظر من ينفذها.
فالقطاع المعدني لا يحتمل إدارة تجعل المستثمر يتساءل عن مصير حقه بعد أن يحصل عليه، ولا مجتمعاً محلياً يشعر بأن صوته لا يُسمع إلا عندما يحتج. وما بين الطرفين تقف مؤسسة يفترض أن تكون صاحبة الكلمة التنظيمية الفاصلة.
والخلاصة القاصمة: المشكلة في جبل أبومحمود لم تعد في وجود الذهب تحت الأرض، وإنما في قدرة المؤسسة المسؤولة على حماية الإطار القانوني فوق الأرض. فإذا كان محمد طاهر عمر لا يستطيع أن يضمن تنفيذ قرار استئناف صدر بعد دراسة الملف من الجهات المختصة، فالسؤال الذي سيطرح نفسه غداً على كل مستثمر سيكون أكثر قسوة: ما جدوى أن تمنحنا الدولة حق التعدين إذا كانت مؤسساتها لا تستطيع حماية ذلك الحق عندما يبدأ الاختبار الحقيقي؟

