مقالات

وجه الحقيقة.. إبراهيم شقلاوي يكتب: هندسة الطاقة في حوض النيل

أعلنت وزارة الطاقة والنفط السبت عقب مباحثات مع الجانب المصري، رفع إمداد السودان عبر مشروع الربط الكهربائي السوداني– المصري إلى 75 ميغاواط، مع تسريع المرحلة الثانية إلى 300 ميغاواط وصولاً إلى 1000 ميغاواط، بالتوازي مع إعادة تأهيل الشبكات ومحطات التوليد والمحولات المتضررة من الحرب.

هذا يعني أن الربط الكهربائي بين البلدين أصبح يمثل بُعدًا جديدًا في مفهوم التعاون الاقتصادي والتنموي بين الخرطوم والقاهرة، بما يعزز فرص الاستثمار والتنمية، خصوصًا في ظل تداعيات الحرب على السودان والموقف المصري الداعم للاستقرار. ومن ثم، فإن زيادة الإمداد المصري تفتح أمام بلادنا فرصة تتجاوز معالجة العجز إلى بناء شراكة استراتيجية في مجال الطاقة، يمكن أن تمتد آثارها إلى نطاق أوسع في حوض النيل.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من واقع قطاع الكهرباء السوداني الذي تعرض خلال الحرب لأضرار كبيرة طالت محطات التوليد وشبكات النقل والتحويل والتوزيع، الأمر الذي جعل إعادة الكهرباء إلى المدن ومناطق الإنتاج والخدمات جزءاً أساسياً من معركة التعافي الاقتصادي. لذلك فإن الكهرباء المصرية في هذا التوقيت تمثل مورداً مهماً لتعزيز كفاءة الطاقة، إذا ارتبطت بإعادة تأهيل الشبكة القومية وتوفير المحولات والمعدات والتدريب، بالتوازي مع التوسع في الطاقة الشمسية والرياح.

لكن القراءة الاستراتيجية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الكمية التي يحصل عليها السودان من مصر. فالمسألة الأهم هي كيف يمكن تحويل الربط القائم إلى بنية إقليمية للطاقة، يستفيد منها السودان ومصر وإثيوبيا، ويكون السودان فيها أكثر من مستهلك. فموقع البلاد بين أكبر منظومتين للطاقة في مصر وإثيوبيا يمنح فرصة للانتقال إلى موقع حلقة الوصل في سوق إقليمية يمكن أن تتبادل فيها الدول الثلاث الكهرباء والمصالح والخبرات.

من المعلوم أن الدول الثلاث تمتلك عناصر تكامل جيدة، مصر بخبرتها وشبكاتها وقدراتها في التوليد، وإثيوبيا بإمكاناتها المائية في إنتاج الكهرباء ، والسودان بموقعه الاستراتيجي وسوقه واحتياجاته التنموية. وإذا جرى توظيف هذه المزايا ضمن مسار متدرج ، يمكن أن تتحول الطاقة إلى مدخل لبناء مصالح مشتركة تتجاوز منطق التنافس. لذلك يمكن أن يستفيد السودان من شراكته مع مصر لتعظيم الربط الكهربائي، ويفتح الباب أمام إثيوبيا بما يجعل تبادل الكهرباء مصلحة مشتركة تدعم التنمية وتساعد على خفض التوتر، بدلاً من أن تكون الطاقة امتداداً لخلافات مياه النيل.

ولا يعني ذلك أن الربط الكهربائي يحل وحده الخلافات السياسية والمائية، فهذه تحتاج إلى تفاوض وضمانات وترتيبات. لكن السياسة الواقعية تبني الاستقرار أيضاً عبر مصالح تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع، وهنا تصبح الطاقة أداة للدبلوماسية الاقتصادية. وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الاستيراد إلى بديل عن بناء قطاع الكهرباء الوطني، فزيادة الإمداد إلى 300 أو 1000 ميغاواط من مصر في وجود مشروع ربط اثيوبي في حدود 200 ميقاواط، لن تحقق أثرها ما لم يتبعها تأهيل التوليد المحلي والشبكات والمحطات، وتنويع المصادر والاستثمار في الطاقات البديلة والمتجددة .

كما أن السودان لا ينبغي أن يُختزل في دور المستهلك، فإلى جانب إمكاناته المائية في السدود المقترحة والتي اكتملت دراساتها ،هناك فرص أيضآ في التوليد الحراري، بجانب إمكانية استكمال مسار الطاقة النووية الذي قطع فيه أشواط في مراحل سابقة، بما يعزز تنوع التوليد وقدرته على تلبية الطلب مستقبلاً. وبذلك يصبح الربط الإقليمي مكملاً لقدرات البلاد، لا بديلاً عنها، ويمهد لتحوله من مستهلك إلى شريك في منظومة الطاقة بحوض النيل.

إن الطريق الأكثر واقعية، بحسب #وجه_الحقيقة، يبدأ بتعظيم الربط المصري ، بالتوازي مع تطوير الربط الإثيوبي، وصولاً إلى منظومة إقليمية متكاملة للطاقة. فالسودان لا ينبغي أن يكون مستهلكاً بين منتجين، بل شريكاً يوظف موقعه وموارده وشبكاته لبناء مصالح متوازنة. وهنا تكمن فكرة هندسة الطاقة في حوض النيل، تحويل الكهرباء من مجال للتنافس إلى شبكة مصالح، ومن جغرافيا الصراع إلى منصة للتنمية والتكامل، ليصبح السودان وصلا و شريكاً فاعلاً في معادلة الطاقة الإقليمية.
دمتم بخير وعافية.
الإثنين 14 سبتمبر 2026م.

Shglawi55@gmail.com

#هندسة_الطاقة #الربط_الكهربائي #السودان #مصر #إثيوبيا #حوض_النيل #أمن_الطاقة #التنمية_المستدامة #الدبلوماسية_الاقتصادية #التكامل_الإقليمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى