مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: 140 صحفياً في الخرطوم.. والي الخرطوم يهدر سلاحاً إعلامياً في معركة الرواية

في الوقت الذي تبذل فيه مؤسسات الدولة جهداً كبيراً لإيصال الرواية السودانية إلى الخارج، كانت الخرطوم تستقبل نحو 140 صحفياً وإعلامياً سودانياً قدموا من خارج البلاد للمشاركة في ملتقى يناقش قضايا الإعلام. فرصة بهذا الحجم لا تتكرر كثيراً، لكنها لم تتحول إلى مشروع إعلامي يوازي أهميتها.

لم يكن المطلوب من والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة أن يحوّل الزيارة إلى حملة علاقات عامة، ولا أن يطلب من الصحفيين تبني رواية بعينها؛ المطلوب كان أبسط وأكثر مهنية: أن يفتح لهم أبواب الخرطوم، ويتيح لهم الوصول إلى المواقع، والاطلاع على المعلومات، والحديث مع المواطنين والمسؤولين، ثم يترك لهم مهمة الكتابة وفق ما يشاهدون ويتحققون منه.

الصحفي القادم من خارج السودان ينظر إلى الخرطوم بعين مختلفة؛ فهو لا يتعامل مع آثار الحرب باعتبارها مشهداً يومياً اعتاده سكان العاصمة، وإنما يراها بعين المقارنة، ويستطيع أن ينقل ما شاهده إلى جمهور يعيش خارج السودان ويتابع ما يجري فيه من خلال روايات متباينة.

وكان يمكن لولاية الخرطوم أن تضع برنامجاً ميدانياً منظماً يشمل الأحياء التي طالتها الحرب، والمرافق التي تعرضت للدمار، والمنشآت التي عادت إلى العمل، ومواقع الخدمات التي استعادت نشاطها، إلى جانب لقاءات مباشرة مع المواطنين والمسؤولين. عندها تصبح الخرطوم نفسها مادة صحفية مفتوحة، لا مجرد خلفية لملتقى إعلامي.

قيمة مثل هذا البرنامج لا تكمن في تلميع صورة العاصمة، بل في منح الصحفيين فرصة التحقق. فصور المباني المتضررة، وشهادات السكان، وحركة الأسواق، وعمل المؤسسات، وعودة الخدمات، كلها معلومات قابلة للرصد والمقارنة والتوثيق، وهي أكثر تأثيراً من البيانات التي تتنافس فيها الأطراف لإثبات صحة رواياتها.

وفي حرب تخوضها الأطراف أيضاً على جبهة الرواية، يصبح الدليل الميداني جزءاً من المعركة. حتى الاتهامات الخطيرة، ومنها ما أثير بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية، لا ينبغي أن تُواجه بمجرد النفي أو الاتهام المضاد، وإنما بإتاحة المعلومات والمواقع والشهادات والوثائق أمام الصحافة المهنية للتحقق والمقارنة، فالحقيقة الأقوى هي التي تستطيع أن تصمد أمام الفحص.

وكان وجود هؤلاء الصحفيين في الخرطوم فرصة كذلك لإيصال صورة أكثر توازناً عن العاصمة؛ صورة لا تنكر حجم الخراب الذي خلفته الحرب، ولا تتجاهل في الوقت نفسه مظاهر عودة الحياة واستعادة المؤسسات لنشاطها. وهذا التوازن تحديداً هو ما يجعل الرسالة أكثر مصداقية وأبعد عن الدعاية.

كما أن وجود صحفيين يقيمون خارج السودان يمنح أي مادة ينتجونها فرصة للوصول إلى جمهور أوسع ومنصات إعلامية خارج الحدود. فالصحفي هنا لا يكتب فقط للقارئ الموجود في الخرطوم، وإنما يستطيع أن يحمل مشاهداته إلى حيث يقيم السودانيون، وإلى حيث تتشكل صورة السودان في الإعلام الإقليمي والدولي.

والأهم أن الزيارة كان يمكن أن تُستخدم لإعادة تقديم الخرطوم للسودانيين في الخارج. فحين يشاهد المواطن بعينه حركة الناس والأسواق والخدمات والمرافق، ويقارن ذلك بما يصله من أخبار وصور، يصبح النقاش حول العودة والاستقرار أكثر ارتباطاً بالواقع وأقل خضوعاً للانطباعات المتداولة عن بُعد.

دول كثيرة تنظم زيارات ميدانية لعدد محدود من الصحفيين حتى تقدم لهم صورة عن أوضاعها، بينما وجدت ولاية الخرطوم نفسها أمام عشرات الصحفيين السودانيين داخل العاصمة، يعرفون لغة الناس وخصوصية المجتمع، ويملكون أدوات المهنة وشبكات النشر. ومع ذلك لم تتحول هذه الكتلة الإعلامية إلى برنامج ميداني واضح.

والسؤال هنا ليس اتهاماً بقدر ما هو سؤال إداري وسياسي مشروع: ماذا فعلت ولاية الخرطوم بهذه الفرصة؟ وهل كان من الصعب إعداد برنامج ليوم أو يومين، يضع الصحفيين أمام الواقع مباشرة، ويمنحهم حرية الحركة والاطلاع والتوثيق؟.

كان يكفي أن تكون الرسالة بسيطة وواثقة: هذه هي الخرطوم، شاهدوا بأنفسكم، تحدثوا إلى أهلها، ادخلوا إلى مواقعها، تحققوا مما تسمعونه، ثم اكتبوا ما ترونه. مثل هذه الرسالة لا تحتاج إلى دعاية؛ لأنها تقوم على الثقة في الوقائع.

إن إدارة الإعلام في زمن الحرب لا تبدأ بعد وقوع الحدث، بل تبدأ من القدرة على اكتشاف الفرصة حين تأتي. ووجود 140 صحفياً في العاصمة لم يكن مجرد مناسبة مهنية عابرة، وإنما نافذة نادرة كان يمكن من خلالها توثيق مرحلة كاملة من تاريخ الخرطوم وإيصال تفاصيلها إلى الداخل والخارج.

المشكلة إذن لم تكن في نقص الصحفيين، ولا في غياب المادة، ولا في صعوبة الوصول إلى القصة؛ فقد كانت القصة أمام الجميع: مدينة خرجت من حرب قاسية، آثار الدمار ماثلة فيها، ومظاهر الحياة تستعيد حضورها، ومواطنون يعيشون تفاصيل التحول، وصحفيون جاءوا من خارجها يحملون أدوات التوثيق والنشر.

كانت كل عناصر القصة موجودة، باستثناء الخطة التي تجمعها في مشروع إعلامي واحد.

والمفارقة السياسية أن السودان يبحث عن من ينقل روايته إلى العالم، بينما كانت 140 عيناً صحفية داخل الخرطوم؛ المشكلة لم تكن في غياب الفرصة، بل في غياب من يعرف كيف يستثمرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى