مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: مدير عام قوات الشرطة الفريق أول أمير عبدالمنعم فضل.. هل انتهت الجريمة حتى تتفرغ لأعمدة الإنارة؟

يبدو أن الجريمة في السودان قد رفعت الراية البيضاء، وأن ملفات الأمن قد أغلقت أبوابها، وأن المواطن أصبح ينام مطمئناً لا يخشى على نفسه أو ماله؛ وإلا فما الذي يفسر أن يجد مدير عام قوات الشرطة، الفريق أول شرطة أمير عبدالمنعم فضل، وقتاً لمتابعة أعمدة الإنارة في حي كوبر وسط الخرطوم، والاحتفال مع الأطفال بعودة التيار الكهربائي؟.

المشهد جميل إنسانياً، لكنه صادم مهنياً؛ لأن السؤال هنا ليس عن الكهرباء ولا عن فرحة الأطفال، وإنما عن موقع الرجل الذي اختار أن يتصدر هذا المشهد، في وقت يفترض أن تكون أمامه ملفات أمنية أثقل من أن يختزلها عمود إنارة.

عودة التيار الكهربائي إلى حي سكني حدث يستحق الفرح، لكن تحويله إلى مناسبة تستدعي حضور أعلى قيادة شرطية يضع أمام الرأي العام مفارقة يصعب تجاهلها: هل وصل بنا الأمر إلى أن يصبح المدير العام معنياً بتفاصيل كان يمكن أن يتولاها ضابط ميداني أو جهة مختصة؟.

مدير عام قوات الشرطة يقود مؤسسة ضخمة، وليست مهمته أن يكون حاضراً في كل موقع؛ مهمته أن يجعل المؤسسة كلها حاضرة، وأن يضمن أن كل إدارة ووحدة وقيادة تعرف واجبها وتؤديه بكفاءة.

فالقيادة الحقيقية لا تعني الإمساك بكل التفاصيل، وإنما القدرة على إدارة التفاصيل من مسافة صحيحة؛ وإلا تحول القائد من صانع قرار إلى موظف متابعة، يستهلك وقته في أعمال يستطيع آخرون إنجازها.
وفي بلد تتعدد فيه التحديات الأمنية، فإن الملفات التي تنتظر قيادة الشرطة أكبر بكثير من إنارة شارع؛ من مكافحة الجريمة وتأمين المواطنين، إلى تطوير الأداء، ورفع كفاءة القوات، ومعالجة أوجه القصور، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسته الأمنية.

المواطن لا يريد من الشرطة صوراً جميلة فقط؛ يريد استجابة سريعة عندما يتعرض للخطر، وإجراءات مهنية عندما يفتح بلاغاً، وحضوراً أمنياً يمنحه الإحساس بأن القانون قادر على حمايته
.
ومن هنا يصبح من حق الرأي العام أن يسأل عن نتائج الخطط الأمنية وأداء الأجهزة الشرطية، لا بهدف التشهير بأحد، وإنما لأن الشرطة مؤسسة عامة، والقيادة العامة فيها مسؤولة أمام المجتمع عن مستوى أدائها.

أما مشاركة الأطفال فرحتهم، فلا ينبغي أن تكون موضع اعتراض؛ فالابتسامة ليست جريمة، والقرب من المواطنين ليس خطأ. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح التفاصيل الاحتفالية أكثر حضوراً من القضايا التي ينتظر المواطن فيها موقفاً أمنياً واضحاً.

والأغرب أن الشرطة تمتلك مستويات قيادية وميدانية متعددة تستطيع التعامل مع الشؤون المحلية والخدمية؛ فلماذا لا تُمنح هذه المستويات المساحة الكافية لإثبات قدرتها، بينما يتفرغ المدير العام للمهام التي لا يستطيع أحد سواه القيام بها؟.

المدير العام بحاجة إلى أن يكون عين المؤسسة على المشهد كله: أين تتراجع الشرطة؟ أين تتقدم؟ أين تزداد الجريمة؟ أين تتعطل الاستجابة؟ وأي الوحدات تحتاج إلى إصلاح أو دعم أو محاسبة؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق وقت القيادة العليا.

فالدولة لا تحتاج إلى مسؤول كبير يعرف مكان كل عمود إنارة، بقدر حاجتها إلى مسؤول يعرف أين تقف مؤسسته من معركة الأمن، وما الذي ينقصها، وما الذي يجب إصلاحه، ومن المسؤول عن الخلل عندما يقع.

وإذا كانت صورة الجنرال أمير مع الأطفال قد حملت رسالة عن عودة الكهرباء، فإنها حملت من حيث لا يقصد رسالة أخرى للرأي العام: إن أعلى قيادة شرطية يمكن أن تنشغل بتفصيل محلي إلى هذا الحد؛ وهي رسالة تستحق المراجعة لا التصفيق.

لذلك فإن المطلوب من الجنرال أمير ليس الابتعاد عن المواطن، وإنما الاقتراب منه من موقع مختلف؛ أن يكون حاضراً عندما تكون هناك قضية أمنية كبرى، وأن يجعل قياداته وضباطه قادرين على إدارة ما دون ذلك بكفاءة واستقلالية ومسؤولية.

وفي النهاية، لا أحد يريد من مدير عام قوات الشرطة أن يطفئ فرحة الأطفال بعودة النور؛ لكن البلاد تنتظر منه أن يضمن ألا تنطفئ أنوار الأمن في مكان آخر. فأعمدة الكهرباء لها من يتابعها، أما أعمدة الأمن فمسؤوليتها تقع في نهاية المطاف على القيادة التي تقف فوق المؤسسة كلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى