مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: هيبة الدولة ليست محل تفاوض… والإدارة الأهلية ليست بديلاً للمؤسسات الرسمية

ما شهدته ولاية كسلا من زيارة لجنة الأمن بكامل عضويتها إلى ناظر عموم قبائل الهدندوة ورئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، الناظر محمد الأمين ترك، لم يكن حدثاً بروتوكولياً عابراً، وإنما محطة تستحق القراءة والتأمل.

فالوفد الذي ضم قيادات الإدارة الأهلية بشرق السودان، يتقدمهم ناظر قبيلة البني عامر علي دقلل وناظر قبيلة الحلنقة، جاء في إطار احتواء الخلاف الذي برز بين الناظر ترك ووالي ولاية كسلا اللواء معاش الصادق الأزرق.

غير أن ما يثير الاستغراب أن الرأي العام ظل بعيداً عن معرفة جوهر هذا الخلاف، رغم ما صاحبه من ضجيج واسع في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

وإذا كانت القضية تتعلق بالشأن العام، فمن حق المواطنين أن يعرفوا حقيقتها كاملة، لأن الشفافية ليست ترفاً سياسياً، بل إحدى ركائز الحكم الرشيد.

أما إذا كان الخلاف قد انتهى بالمصالحة، فمن حق الناس أيضاً أن يعرفوا الأسس التي قامت عليها تلك المصالحة، حتى لا يبقى المجال مفتوحاً للتكهنات والتفسيرات المتضاربة.

إن إدارة الشأن العام لا تُبنى على الغموض، وإنما على الوضوح والمكاشفة واحترام حق المجتمع في المعرفة.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا يريد الناظر ترك تحديداً؟ وما هي القضية التي استدعت كل هذا الحراك السياسي والإعلامي؟
إن غياب الإجابات الواضحة يجعل الساحة مفتوحة أمام التأويل، وهو أمر لا يخدم أحداً.

ومن الثوابت التي ينبغي ألا تغيب عن الأذهان أن والي ولاية كسلا لم يتولَّ منصبه نتيجة توافق مع أي قيادة أهلية، وإنما جاء عبر قرار صادر من مؤسسات الدولة المختصة.

وبالمقابل، فإن استمراره أو إعفاءه من منصبه يظل اختصاصاً حصرياً للسلطة التي عينته، وفق ما تقتضيه المصلحة العامة.

إن الدولة التي تُدار بالتوازنات الشخصية لا تستطيع أن تبني مؤسسات قوية، والدولة التي تخضع قراراتها لضغوط غير مؤسسية تفتح الباب أمام سابقة لا تُحمد عقباها.

فلا يجوز أن ينشأ في الوعي العام انطباع بأن مصير المسؤولين التنفيذيين يُحدد خارج الأطر الرسمية.

هيبة الدولة لا تُصان بالشعارات، وإنما بصيانة اختصاصات مؤسساتها واحترام تسلسل السلطات.

وكلما اختلطت الأدوار بين المؤسسات الرسمية والمرجعيات المجتمعية، ازدادت مساحة الارتباك في إدارة الشأن العام.

ولا خلاف حول المكانة التاريخية للإدارة الأهلية، فهي ركيزة أصيلة في الإصلاح الاجتماعي وحفظ السلم الأهلي.

لكن هذه المكانة تزداد احتراماً كلما التزمت الإدارة الأهلية بدورها الطبيعي، وابتعدت عن أي مظهر قد يُفهم على أنه مزاحمة لمؤسسات الدولة في اختصاصاتها.

فلكل مؤسسة حدودها، ولكل مسؤول صلاحياته التي ينظمها القانون.
والدولة الحديثة لا تستقيم إلا حين تكون مرجعيتها هي القانون، لا موازين النفوذ أو تأثير الأشخاص.

وإذا رغبت أي شخصية عامة في خوض العمل السياسي، فإن أبواب السياسة مشرعة عبر الأحزاب والتنظيمات والوسائل الديمقراطية المشروعة.

أما الجمع بين المرجعية الأهلية والتأثير السياسي التنفيذي، فإنه يظل قضية تستحق نقاشاً وطنياً هادئاً يحدد الحدود الفاصلة بين المجالين.
كما أن ولاة الولايات مطالبون بالانفتاح على الإدارة الأهلية والاستماع إلى رؤاها، لكن ذلك يجب أن يتم في إطار التعاون لا الوصاية، وفي إطار الشراكة لا الحلول محل المؤسسات.

العلاقة الصحية بين الدولة والإدارة الأهلية تقوم على التكامل، لا على التنافس.

وكلما التزم كل طرف بدوره، ازدادت قوة الدولة وارتفعت مكانة الإدارة الأهلية في وجدان المجتمع.

أما حين تتداخل الصلاحيات، فإن أول الخاسرين هو المواطن الذي ينتظر من الجميع معالجة قضاياه لا صناعة أزمات جديدة.
إن السودان، في هذه المرحلة الدقيقة، أحوج ما يكون إلى تثبيت قواعد الدولة المؤسسية، لا إلى توسيع دوائر الجدل حول من يملك القرار.

فالقرار التنفيذي يجب أن يبقى داخل مؤسسات الدولة، لأنها وحدها تتحمل المسؤولية أمام الشعب والتاريخ.

والدول لا تُبنى بقوة الأشخاص، وإنما بقوة المؤسسات.
ولا تُقاس هيبة الدولة بقدرة مسؤوليها على الدخول في الخصومات، بل بقدرتها على فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء.
إن احترام الإدارة الأهلية واجب، كما أن احترام مؤسسات الدولة واجب لا يقل أهمية.

وحين يعرف كل طرف حدوده الدستورية ودوره الوطني، تنتصر الدولة، ويطمئن المواطن، ويصبح الاستقرار حقيقة لا شعاراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى