من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: كلما اختلف اثنان… وُلد حزب!

أشد ما يؤلمني أن أي مجموعة من الأشخاص تستطيع أن تصنع جهة سياسية، ثم تمنحها اسمًا براقًا وضخمًا، وبعد ساعات فقط تبدأ في الحديث وكأنها الممثل الشرعي والوحيد لجل الشعب السوداني، يكفي أن تعلق لافتة كبيرة، وتختار اسمًا رنانًا، حتى تتحول فجأة إلى (الناطق الرسمي) باسم ملايين السودانيين الذين لم يسمعوا بها أصلًا
الكتلة الديمقراطية مثال لذلك، فعرابها في كل إطلالة يتحدث وكأن شعب السودان قد فوضه بتوكيل لا يقبل الطعن ولا الاستئناف، وغيرُها كثير في الداخل، كيانات تتحدث بثقة تفوق حجمها، وتوزع صكوك الوطنية، بينما لا يعرفها الشارع إلا من خلال المؤتمرات الصحفية
أما خارج الحدود، فهناك العجب العجاب، أسماء وهمية لا قبول لها داخليًا، ولا قواعد، ولا جماهير، ولا حتى مقر معروف، لكنها تتحدث باسم الشعب السوداني في المحافل، وتفاوض باسمه، وتصدر البيانات باسمه، وكأن السودانيين جميعًا اجتمعوا في غرفة واحدة وسلموها مفاتيح الوطن، وما أكثر تلك الجهات التي اتخذت العمالة طريقًا، والخراب منهجًا، وملء الجيوب من مال السحت مسلكًا
في عهد الرئيس السابق عمر البشير تم تسجيل أكثر من خمسين حزبًا ، كانت كلها تدعي أن لها قواعد ضخمة في أرجاء البلاد، وأن جماهيرها تملأ الساحات، لكن بمجرد أن ذهب البشير، ذهبت تلك الأحزاب معه، حتى إن التاريخ لم يكلف نفسه عناء تسجيلها في أضابيره، لأن صورتها كانت باهتة سياسيًا، وتدار بواسطة شخص أو شخصين يحملان حقيبة، ومن لم يجد حقيبة حمل حزبه في حلقومه، يخرجه متى شاء ويبتلعه متى شاء
المشكلة ليست في كثرة الأحزاب، فالتعددية السياسية ظاهرة صحية، ولكن الكارثة في صناعة أوهام سياسية تباع بالجملة، حزب بلا عضوية، وكتلة بلا كتلة، وتحالف لا يجمعه إلا الميكروفون، وقيادة لا يقودها إلا حب الظهور
الممارسات السياسية في هذه البلاد محتاجة إلى مراجعة، ومحتاجة إلى نضج الفكرة، وإلى إخراج المحتوى بصورة تعكس أن لهذه الكتلة وضعًا قاعديًا كبيرًا يُحس ويُرى، لا أن يكون وجودها محصورًا بين شاشة كاميرا وبيان صحفي وصفحة في وسائل التواصل الاجتماعي
أطرف ما في المشهد أن فناني الحقيبة، عندما تكتمل كوبليهات الأغنية ولا يستطيع الفنان أن يقدم كوبليه جديدًا لأنه غير موجود أصلًا في النص، يواصل الغناء: (ليلة هوي… يا ليلة… وليلة هوي يا ليلة…)! حتى يظن السامع أن الأغنية ما زالت تتجدد، بينما هي تدور في المكان نفسه
وهكذا كثير من كتلنا السياسية اليوم، انتهت الكلمات، ونفدت الأفكار، وغابت الجماهير، ولم يبق إلا ترديد اللازمة نفسها: بيانات… إدانات… اجتماعات… مؤتمرات… ثم العودة إلى (ليلة هوي يا ليلة) ! .

