حوارات

مدير المتحف الحربي الفريق عمر النور لـ(مسار برس): استهدفوا التاريخ.. فحميناه بأجسادنا وما حدث لم يكن حربا فقط.. بل محاولة لطمس هوية أمة

أنقذنا الإرث العسكري من بين النيران ومعركتنا اليوم هي إنقاذ التاريخ قبل فوات الأوان

دمروا الطائرات.. لكنهم فشلوا في تدمير الذاكرة
لن نسمح بأن يُدفن تاريخنا تحت الركام وما تبقى من المتحف.. هو ما تبقى من ذاكرة وطن
واجهنا القصف لحماية مقتنيات لا تُقدّر بثمن و الرقمنة سلاحنا الجديد في معركة الذاكرة
في قلب العاصفة التي تعصف بالسودان، تقف الذاكرة الوطنية على خط النار. وبين ركام الحرب وتحدياتها، يواصل المتحف الحربي السوداني أداء مهمته بوصفه أحد أهم حراس التاريخ العسكري، ساعيا إلى صون إرث القوات المسلحة من الضياع والتشظي.
في هذا الحوار، يكشف الفريق الركن عمر النور، مدير المتحف الحربي، عن كواليس معركة من نوع آخر: معركة الحفاظ على الذاكرة، وحماية المقتنيات، وتوثيق التاريخ في زمن الاضطراب. كما يسلط الضوء على حجم الأضرار التي لحقت بالمتحف، وخطط إعادة الإعمار، ومساعي الرقمنة، والشراكات الدولية التي يعول عليها لإعادة إحياء هذا الصرح الحيوي. وإلى تفاصيل الحوار:

حوار: هيثم موسى

كيف تنظرون إلى دور المتحف الحربي في حفظ ذاكرة الأمة وتوثيق تاريخ القوات المسلحة للأجيال القادمة؟
حقيقةً للمتحف أهداف من أجلها قام بجانب الواجبات، وتعريف المتحف الحربي أنه يُعتبر وعاءً توثيقيًا لحفظ التراث والمقتنيات للأجيال القادمة مع تسجيل التاريخ العسكري، لذلك يُعتبر المتحف إدارة تحفظ موروثات القوات المسلحة في وعاء جامع، وواحدة من أبرز أهدافنا في المتحف الحربي هي تسجيل وتوثيق تاريخ القوات المسلحة من أقدم العصور إلى يومنا هذا، إضافة إلى جمع وحفظ وعرض الآثار العسكرية، لأنها كثيرة ومتعددة ومتنوعة من الأسلحة والمعدات القديمة والوثائق والنماذج التاريخية القديمة، نقوم بجمعها وحفظها وعرضها بطريقة لائقة للمشاهد والزائر والسائح، وبث الوعي والإرشاد التوجيهي المتحفي بغرض توعية المواطن، وتثقيف وتنوير العسكريين والمدنيين على حد سواء بإنجازات القوات المسلحة السودانية.
في السابق كنا نقوم بمعارض متحركة للولايات لعكس التراث العسكري، خاصة في الاحتفالات القومية التي تقوم بها الولايات كأعياد الاستقلال ومناسبات أعياد الجيش، نشارك فيها بمعارض، ونقوم كذلك بإجراء البحوث والدراسات في مجال التاريخ والآثار بهدف المساهمة في تطوير الخطط والدراسات المرتبطة بالتاريخ العسكري وغيره، ونقوم بتسجيل ذكريات المحاربين القدامى من أعلام ورموز القوات المسلحة، بما يحفظ التاريخ العسكري. آلينا في المتحف الحربي أن نأخذ ما في الصدور حتى يصبح بين السطور في شكل كتب ومجلات، وهذا هو أحد الأهداف السامية للمتحف الحربي.
ما هو الوضع الراهن لمقتنيات المتحف الحربي؟ وهل تأثرت أو تعرضت لأي أضرار خلال الفترة الماضية؟
حقيقةً الحرب ما في جهة لم تتضرر منها، وما في جهة سلمت منها، وما في جهة ما نالها شيء من الدمار، لأن القائمين على أمر المليشيا المتمردة حاولوا أن يطمسوا هوية الشعب السوداني، وحاولوا أن يهدموا ويشتتوا ويبعثروا إرث الشعب السوداني، لأن ليس لديهم إرث أو مقتنيات أو تاريخ، وليس لديهم ما يجعل أن هناك متاحف، لذلك قصدوا وعن عمد وعبر المليشيا المتمردة تخريب وتدمير المتاحف المتخصصة مثل المتحف الحربي ومتحف الإثنوغرافيا والمتحف الطبيعي ومتحف بيت الخليفة، وجميعها تقع تحت مظلة الهيئة القومية للآثار والمتاحف، بما فيها المتحف القومي، ولم يسلم أي من هذه المتاحف.
تأثر المتحف الحربي مثله مثل المتاحف الأخرى، لكن نقول إن الوضع الراهن لمقتنياتنا الحربية العسكرية هو في الحفظ والصون، لأنه إبان فترة الحرب وعند بدايتها كان بالمتحف الحربي عدد كبير من الضباط وضباط الصف المؤهلين الفنيين والمتخصصين في جانب الآثار والتاريخ، موجودين في المتحف الحربي، لذلك قاموا بحفظ المقتنيات والأشياء الأثرية، لكن تضررت المباني الخارجية نتيجة القصف العشوائي الممنهج على المتحف الحربي، لأنه يقع في نطاق النيران التي كانت تستهدف سلاح الإشارة وسلاح النقل وسلاح المهمات، والمتحف الحربي يقع في المنتصف، لذلك تأثر كثيرًا، ولكن بحمد الله هناك كثيرًا من المقتنيات الحربية لم تضيع ولم تفقد ولم تدمر.
ما التدابير التي تم اتخاذها لحماية القطع الأثرية والعسكرية، خاصة في ظل التحديات الأمنية؟
حقيقةً الضباط الموجودون داخل المتحف الحربي لديهم دراية كافية بحماية الآثار، لأنهم تلقوا دورات متعددة لحماية الآثار في ظل الأزمات والكوارث، وفي ظل الحروب التي تنشب، ولهم باع طويل في التدريب. بمجرد ما وقعت الحرب وهم كانوا موجودين، ونحن من هنا نشيد بهم ونهنئهم، فقد اتخذوا الكثير من التدابير لحماية القطع الأثرية العسكرية داخل المتحف الحربي، ووضعوها في أماكن آمنة، وخصصوا لها حماية قوية حتى لا تصاب بالضرر.
هل لديكم توجه نحو رقمنة محتويات المتحف وتوثيقها إلكترونيًا لضمان استدامتها وسهولة الوصول إليها؟
حقيقةً نحن قبل الحرب شرعنا في رقمنة محتويات المتحف الحربي إلكترونيًا، وبشراكة ذكية مع إخوتنا في جامعة برمنغهام، وكانت هناك لجنة متخصصة لرقمنة محتويات المتاحف وجهات أخرى، ونحن بادلناهم الزيارة إلى جامعة برمنغهام في عام 2022، حيث ذهبنا إلى بريطانيا ووجدنا كل التسهيل من جامعة برمنغهام في الأرشفة الإلكترونية لمحتويات المتحف الحربي، وكنا نعمل على قدم وساق إلى أن جاءت الحرب، والآن شرعنا في أن نواصل في هذا المشروع الضخم لرقمنة محتويات المتحف الحربي إلكترونيًا حتى تصبح استدامتها سهلة وسريعة.
هل هناك خطة واضحة لإعادة تأهيل وتطوير المتحف الحربي بما يواكب المعايير العالمية للمتاحف؟
نعم، بلا شك هناك خطط وليس خطة واحدة. الآن بدأنا في مشروع إعادة التأهيل، وقبل فترة قليلة زارتنا شركة زادنا العالمية لإعادة جزء كبير مما دمرته الحرب داخل المتحف الحربي، وأيضًا زارنا مسؤول اليونسكو في السودان والدكتورة لمياء، وتم تنويرهم بما دمرته الحرب، وكانت هناك جولة في صالات المتحف الحربي التي تضررت، ورفعنا لهم مشروعًا متكاملًا لكيفية إعادة وتأهيل وتطوير المتحف الحربي حتى يواكب المعايير العالمية.
وكنا نعمل وفق المعايير العالمية مثلنا مثل كل المتاحف المماثلة الأخرى بعرضين: عرض خارجي يضم الأسلحة الثقيلة وطائرات القوات المسلحة التي استخدمت في أزمنة قديمة، لكن المليشيا دمرت هذه الأسلحة في العرض الخارجي، دمرت المدرعات ودمرت الطائرات، حيث كانت تظن أن هذه الطائرات والمدرعات عاملة وسوف تنطلق من هنا، وكانت تعتبرها منصة وليس متحفًا حربيًا، منصة مواجهة عسكرية تنطلق منها مدرعات وأسلحة ثقيلة وطيران، ولذلك عمدت إلى تدمير طائرات العرض الخارجي.
أما العرض الداخلي فقد تمت حمايته بواسطة الإخوة المتخصصين كما ذكرت سابقًا، ونحن أيضًا رفعنا خططًا لهيئة القيادة في كيفية إعادة تأهيل المتحف الحربي، وأنا شاركت في نوفمبر من العام الماضي 2025 بورقة علمية في مؤتمر الاتحاد العام للآثاريين العرب، وأنا عضو فيه، وكانت الورقة بعنوان كيفية تأهيل وتطوير ما دمرته الحرب، واخترنا المتحف الحربي نموذجًا.
كيف يمكن للمتحف أن يسهم في تعزيز روح الانتماء الوطني لدى الشباب وربطهم بتاريخ قواتهم المسلحة؟
ما في شك في ذلك، تنبع أهمية المتحف الحربي في دوره المتمثل في توثيق وحفظ المقتنيات وتأصيل تاريخ قواتنا المسلحة، وكل ذلك نقوم به من خلال التوثيق داخل مجلة المتحف الحربي، وأيضًا من خلال الزيارات التي تكون ممنهجة لطلاب المدارس بمراحلهم المختلفة، من التعليم الأساسي والثانوي والجامعات.
كل هذا يعزز روح الانتماء الوطني لدى الشباب، لأنهم من خلال مشاهدتهم لما قام به أجدادهم من مجاهدات عبر تاريخ القوات المسلحة، ومن خلال الشرح والإرشاد الذي يتم داخل صالات العرض، يتعرفون على الكثير من الأحداث المرتبطة بالأسلحة الأثرية القديمة، إضافة إلى المحاضرات، وكل ذلك يعزز روح الوطنية ويغرس فيهم الهمة والانتماء.
هل توجد شراكات أو تنسيق مع متاحف عسكرية إقليمية أو دولية لتبادل الخبرات أو المعارض؟
نعم، المتحف لديه شراكات ذكية وذات صلة مع متاحف أخرى مماثلة مثل المتحف البريطاني والتركي والصيني، وقمنا بزيارة هذه المتاحف، وعملنا معهم مذكرات تفاهم لتبادل الخبرات في مجالات التدريب والتنسيق والعرض والمعرفة.
وهذه المتاحف كانت على تواصل معنا، وآخرها زيارتنا إلى بريطانيا حيث زرنا المتحف البريطاني، وتم توقيع مذكرات تفاهم حتى لتبادل بعض المعروضات، سواء عبر الإهداءات أو الاستنساخ أو العرض المؤقت، وفق القوانين واللوائح المنظمة.
كيف أسهمت خبرتكم العسكرية الطويلة في إدارة هذا الصرح التاريخي؟
بجانب الهواية في مجال التاريخ العسكري، هناك خبرة متواضعة في جانب التوثيق، حيث أصدرنا مجلة المتحف الحربي، والتي وصلت إلى العدد 87، كما بذلت جهدًا في إصدار عدد من الكتيبات، مثل شذرات من سجل التاريخ العسكري، ونيلسون مانديلا في السودان سنة 1958، والمعارك الحربية التي خاضتها القوات المسلحة، ووظيفة العلاقات العامة في الوحدات العسكرية، إلى جانب كتاب العلاقات العامة والمراسم في الجيوش العربية.
كما توسعنا في ربط التراث العسكري بالتراث المحلي السوداني، وافتتحنا منفذًا باسم “التحفة”، يضم منتدى ثقافيًا أسبوعيًا ومعروضات من التراث الشعبي.
كيف تصفون علاقتكم بالراحل الفريق أبو كدوك؟ وما أبرز المواقف أو القيم التي تركت أثرًا في مسيرتكم؟
الفريق أبو كدوك علم من أعلام القوات المسلحة، وعندما يُذكر اسمه يتبادر إلى الذهن القائد العسكري الجاد والحازم. وقد كان من رموز القوات المسلحة، خاصة في الجبهة الشرقية، حيث وصفته إذاعة البي بي سي بأنه أخطر جنرال في أفريقيا.
وقد وثقنا لبعض مواقفه، وكانت له سيرة حافلة تحتاج إلى مجلدات، وقد ترك إرثًا كبيرًا من القيم العسكرية التي لا تزال مؤثرة حتى اليوم.
ما هي أبرز المواثيق والقيم التي تركت أثرًا في مسيرتكم؟
نحن نفتخر بقيادات القوات المسلحة التي مرت عبر تاريخها، فقد تركوا بصمات واضحة وقيمًا راسخة، ونحن نسير على خطاهم ونستلهم من تاريخهم العريق.
ما أبرز التحديات التي تعيق عمل المتحف حاليًا، سواء من حيث الإمكانيات أو الظروف العامة؟
نلتمس العذر للقيادة العامة لانشغالها بالعمليات، ونحن جزء منها، ونسعى لتوثيق ما قامت به القوات المسلحة، وهناك جهود شبابية شاركت في هذا التوثيق.
توجد تحديات تتعلق بالإمكانات، لكنها ستُذلل بدعم الجهات المعنية، وهناك دعم معنوي وإعلامي يساعدنا في أداء مهامنا.
ما الرسالة التي تودون توجيهها للمواطنين حول أهمية الحفاظ على تاريخهم الوطني ومؤسساتهم؟
رسالتنا الأولى للقوات المسلحة وكل من يدافع عن الوطن، ونسأل الله أن يوفقنا لتوثيق بطولاتهم.
ورسالتنا للشعب السوداني الذي وقف داعمًا لقواته المسلحة أن يستمر في هذا الدعم، لأن التاريخ هو هوية الشعوب.
كما نوجه رسالة للإعلام بأن يقوم بدوره، لأنه سلاح مهم في الدفاع عن الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى