الدكتور حسن مكي لـ(مسار برس): الحركة الإسلامية ما زالت تحكم بعقلها لا بتنظيمها
سقوط الإنقاذ نتيجة تآكل داخلي بعد 30 عامًا من الحكم

صلاح قوش كان الشخصية الأهم في انقلاب 2019
الانتخابات في السودان بعيدة ولا بد أن تبدأ من القواعد
الصراع داخل منظومة الإنقاذ هو ما عجّل بنهايتها
التحدي الأكبر أمام الحكومة هو بناء دولة بخدمة حقيقية وتنمية
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها السودان، وتعقيدات المشهد السياسي الممتد منذ سقوط نظام عمر البشير، تبرز تساؤلات جوهرية حول أدوار الفاعلين التاريخيين، وعلى رأسهم الحركة الإسلامية، ومدى استمرار تأثيرها في بنية الدولة والمجتمع. في هذا الحوار، يقدّم المفكر والكاتب حسن مكي قراءة تحليلية لتطورات المشهد السوداني، متناولًا جذور الأزمة السياسية، وتداخلات القوى العسكرية والمدنية، إلى جانب تقييمه لأداء النخب الحاكمة والتحديات التي تواجه الدولة في مرحلة ما بعد الإنقاذ.
كما يناقش الحوار أسباب سقوط النظام السابق، وأدوار شخصيات محورية مثل صلاح قوش، إضافة إلى رؤيته لمسارات العدالة الانتقالية وإمكانية إجراء انتخابات في ظل الأوضاع الراهنة، مع طرح تصورات تتعلق بالإصلاح المؤسسي وبناء الدولة.. فإلى مضابط الحوار:
حوار: هيثم موسى
كيف تقيّمون الدور الحالي للحركة الإسلامية في المشهد السوداني، وهل ما زالت فاعلًا مؤثرًا في صناعة القرار أم أصبحت جزءًا من الماضي السياسي؟
الحركة الإسلامية كتنظيم كانت مشكلة منذ أن وصلت الجماعة إلى السلطة في عام 1989م، ولذلك كانت هناك مجموعات غير راغبة حتى في وجود الترابي، والترابي في عامي 1990-1991 كان يعتقد أن الحركة الإسلامية بشكلها القديم استنفدت أغراضها، ولذلك تم تكريم رواد الحركة الإسلامية وإعطاؤهم المصاحف.
وبعد ذلك تم حل الحركة الإسلامية التي برزت بعد شعبان والمصالحة الوطنية والسجون وانقلاب حسن حسين وانقلاب المرتزقة عام 1976. من الناحية العملية تم حلها، ولكنها كانت موجودة بأفكارها وقيادات الجماعة والناس.
الحركة الإسلامية كانت إشكالية، لكن أفكارها انطبعت في المجتمع السوداني كله و(الميري) بالذات بطابعهم، ولذلك تجد معظم رؤساء السودان والشخصيات المؤثرة فيه كانوا من الحركة الإسلامية. الترابي نفسه تولّى وظائف كبيرة، والرشيد الطاهر أصبح رئيس وزراء وعمل النهج الإسلامي مع النميري، وكذلك الدكتور الجزولي دفع الله رئيس الوزراء في عام 1985، ومحمد يوسف محمد أصبح رئيس الجمعية التأسيسية. والآن الحركة الإسلامية هي الحاكمة، ليس بتنظيم، لكن العقل السوداني كله سواء كان في الخدمة المدنية أو في السياسة الخارجية أو في القيادة المدنية أو في الجامعات أو النقابات.
ولذلك يرى الناس المد الإسلامي، والمجموعة الحاكمة في السودان الآن فيها الرباعي العسكري، وقد رفعهم الرئيس البشير واختارهم نسبة لتميزهم وولائهم له، وهو يرى أنهم أكفأ الناس.
رغم وجود قاعدة اجتماعية وفكرية للحركة الإسلامية، ما هي – في تقديركم – الأسباب الثلاثة الجوهرية التي قادت إلى سقوط نظام الإنقاذ؟
سقوط الإنقاذ، كما يقال: “كثرة الطلة مسخت خلق الله”. وفي النهاية هم حكموا 30 عامًا، وما زالت أفكارهم هي الحاكمة.
كيف تقيّمون أداء حكومة الدكتور كامل إدريس من حيث الإنجاز السياسي والخدمي؟ وهل استطاعت أن تلبي الحد الأدنى من تطلعات المواطن السوداني؟
يصعب الآن تقييم أداء حكومة الدكتور كامل إدريس؛ فهو شخص مؤثر ومؤهل وصاحب قدرات، وتقلد مناصب كبيرة، لكن هناك تحديات كبيرة لا نعلمها، والصراعات الحاصلة واضحة. وكان لديه صراع حول الخدمات في الخرطوم، وكان هناك صراع بينه وبين الفريق جابر. والسؤال: هل يستطيع أن يملأ هذا الفراغ؟ ومن التحديات أيضًا الميزانية الآن: هل فيها تنمية؟ والدكتور كامل إدريس شخص عفيف في كلامه، ويكفي أنه يعمل بدون مرتب وبدون امتيازات.
من وجهة نظركم، ما هو القرار أو المسار الاستراتيجي الأبرز الذي قاد الرئيس الأسبق عمر البشير إلى نهاية نظامه؟
نظامه تآكل من الداخل، و30 سنة غير مستوعب لوظيفته، ولذلك جاء بأناس، وهناك ضغوط خارجية، وأهم عامل في نهاية نظامه أن أنصار الحركة الإسلامية أو الرجال الذين قام بتربيتهم شعروا بأنه لا بد من تغيير، والتغيير دائمًا لا يأتي حسب ما يشتهي الإنسان، وأعتقد أنها نفس السفينة، سفينة الإنقاذ.
إلى أي مدى تعتقدون أن الفريق صلاح قوش لعب دورًا حاسمًا في سقوط النظام، أم أن الأمر تم تضخيمه في الوعي الشعبي؟
الانقلاب الذي حدث في عام 2019 كان من إسلاميين، الذين قاموا بالانقلاب سواء كان صلاح قوش، وهو أهم شخص فيه، أو قائد الجيش أو الفريق كمال أو رجال الأمن، شعروا بأن القيادة كان من المفترض أن تؤدي دورها وأن تغادر، وتأخر البشير في الاستقالة أو تقديم رؤية جديدة، والتكلس حول السلطة هو الذي أدى إلى التغييرات. وكما يقول الناس: هؤلاء هم “الإنقاذ ون” و”الإنقاذ تو” و”الإنقاذ فور”، وفيها صراع بين مكونات الإنقاذ نفسها، بين حميدتي وغريمه موسى هلال، وكل هؤلاء إنقاذيون.
لماذا برأيكم لم يتم فتح ملف التعويضات والمحاسبة بشكل جاد حتى الآن، رغم حجم الدمار الذي شهدته البلاد؟ وهل هناك إرادة سياسية حقيقية لتحقيق العدالة؟
حاليًا البلاد في حالة حرب وجود، والناس.. وزي ما الإنقاذ أفرزت موسى هلال وحميدتي، والحركة الشعبية لتحرير السودان أفرزت جون قرنق، هي كذلك تغيّرت وقتلت قائدها جون قرنق وأبعدت الناس من حوله اليساريين وغيرهم. والآن جنوب السودان في أسوأ حالاته، لكنه يفرز لنا الحركات المسلحة، سواء كان عبد الواحد أو مناوي وغيرهما، وكلها نمت بعد مؤتمر القرارات المصرية في العام 1994، وهم يحاولون الاندماج في المجتمع مثل المشاركة في الأفراح والأتراح والذهاب إلى شيوخ الطرق الصوفية، ولديهم مشاكل كبيرة: كيف يندمجون في الجيش السوداني؟ وكيف يندمجون في المجتمع؟ وكيف يرتبون أوضاعهم؟ وكيف يتم قبولهم، وهم قد فعلوا ما فعلوا؟ هذه كلها تحديات كبيرة. لكن أعتقد أن الحكومة لا بد أن تكون لديها سياسة خارجية تنموية، وأعتقد أن وزارة الخارجية يجب أن تكون سكرتارية للتنمية. وأعتقد أن الثلاثين عامًا الماضية كانت التنمية الأساسية فيها البترول والصين. أما أمريكا فلم تفعل لنا شيئًا سوى أنها تبذل ملايين الدولارات في الإغاثة، لكن الإغاثة هي استخبارات ولأشياء أخرى والاحتواء، ولم تبذل جهودًا في التنمية. أعتقد أن إصلاح التعليم والصحة والتنمية يتطلب جهودًا، وأرى أن 70% من موارده الذهب، ويجب ألا يقل إنتاجه عن 120 طنًا في السنة وألا يتراجع. وللأسف الشديد، أكبر إنجاز في السودان في الثلاثين عامًا الماضية كان في المباني.
هل ترون أن السودان ماضٍ نحو انتخابات قريبة، أم أن تعقيدات المشهد السياسي، خاصة دور الحركات المسلحة، ستطيل أمد المرحلة الانتقالية؟
الانتخابات بعيدة. إذا أردنا إجراء انتخابات يجب ألا تبدأ من فوق، مثل بذر البذور في الهواء، ويجب أن تبدأ بمجالس القرى ومجالس الأحياء والمجالس البلدية والتنفيذية. لا بد أن يكون للشعب قدرة في إدارة سياسته الانتخابية. المجالس المحلية هي الأهم والركيزة لأي انتخابات حقيقية، وهي الركيزة الأساسية للخدمات، مثل التعليم. وإذا كانت هناك لجان فاعلة في الأحياء يستطيعون معرفة الخروقات الأمنية والسلاح والمشاكل، ويجب أن تُجرى الانتخابات المحلية كأولوية، وبعد ذلك نرى كيف تؤدي، ثم ننظر في الانتخابات التصاعدية: هل نريد دستورًا أو نظامًا مختلطًا أو تمثيلًا نسبيًا أو نظامًا رئاسيًا أو برلمانيًا؟ كل ذلك لا يتم بدون تفكير أو عقل سياسي.
ما هي النصيحة الأهم التي توجهونها للحكومة الحالية لتصحيح المسار وتحسين الأداء بما يخدم مصلحة الدولة والمواطن؟
تجنيب السودان الفكر السياسي وإدانة الدعم السريع. هناك فكرة الواجب والمطلوبات من كل شخص دفع ضريبة الوطن. وفكرة الواجب فكرة فلسفية، لكنها أيضًا فكرة إسلامية: الإحساس بالمسؤولية تجاه البلد وعائلتك وأمتك وإخوتك وتجاه نفسك، وهي لا تنتظر توجيهات تنظيمية. وأعتقد أن التشبيك مهم في هذه اللحظات التاريخية: تشبيك النقابات، وتشبيك الاتحادات، وهذا التشبيك يحرّك الروح الجماعية وروح الفريق، رغم توفرها في الناس، لكنهم ينتظرون القيادة الملهمة.

