منتدى علمي في الشمالية يناقش ادعاءات استخدام السلاح الكيميائي بين الدليل والتحقيق والإعلام

دنقلا: حجازية محمد سعيد
نظمت الهيئة الشبابية للإعمار والتعافي الوطني بالولاية الشمالية، بالتنسيق مع رابطة الصحافة الإلكترونية السودانية – فرعية الولاية الشمالية، منتدىً علمياً حول «ادعاءات استخدام السلاح الكيميائي في السودان بين الدليل العلمي والتحقيق الدولي وتوظيف السرديات السياسية والإعلامية»، وذلك بقاعة المجلس الأعلى للشباب والرياضة بالولاية الشمالية، برعاية المجلس الأعلى للشباب والرياضة.
وقدّم الورقة العلمية نائب رئيس الهيئة الشبابية للإعمار والتعافي الوطني ورئيس رابطة الصحافة الإلكترونية السودانية – فرعية الشمالية الأستاذ علي تركمان، فيما أدار المنتدى الأستاذ حسام الدين أيوب، بمشاركة قيادات عسكرية وأمنية وقانونية وشبابية وإعلامية.
وشهد المنتدى حضور الأمين العام للمجلس الأعلى للشباب والرياضة بالولاية الشمالية اللواء الركن عبدالرحمن فقيري، وقائد قطاع دنقلا العملياتي اللواء الركن أسعد حسنين، ومدير جهاز المخابرات العامة بالولاية الشمالية العميد أمن الطاهر حسب سيد، وممثل سيطرة الصحراء، وممثل شرطة الولاية، واللواء حقوقي نجم الدين عثمان محمد عثمان، إلى جانب ممثلي المقاومة الشعبية ولجنة المرأة والاتحاد العام للطلاب السودانيين والهيئات الشبابية وكتائب الإسناد، ومدير بنك العمال الوطني محمد عثمان محمد عثمان، وعدد من الإعلاميين والقانونيين والمهتمين.
فقيري: الإعلام يصنع الرأي العام والقضايا الوطنية تحتاج إلى وعي مؤسسي
,
وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للشباب والرياضة بالولاية الشمالية اللواء الركن عبدالرحمن فقيري أهمية المنتدى وما تناوله من قضية ذات أبعاد علمية وقانونية وإعلامية، مشيداً بالوعي الذي أظهرته الهيئة الشبابية للإعمار والتعافي الوطني من خلال طرح القضية للنقاش، وبالشراكة مع رابطة الصحافة الإلكترونية السودانية.
واستهل فقيري كلمته بالترحيب بالحضور من القيادات العسكرية والأمنية والمدنية والشبابية والنسوية والقانونية والإعلامية، موجهاً التحية للأكاديمية العليا للأمن والدراسات العسكرية، والاتحاد العام لطلاب الولاية، ومدير بنك العمال الوطني، والهيئة الشبابية للإعمار والتعافي الوطني، والهيئات الشبابية، ولجنة المرأة بالمقاومة الشعبية، ورابطة الصحافة الإلكترونية السودانية، ومكتبها التنفيذي، وجميع المشاركين في المنتدى.
وأشار إلى أن تنظيم المنتدى يعكس مستوى متقدماً من الوعي لدى الشباب بالقضايا التي تشغل الرأي العام، وقال إن الشباب لا ينبغي أن يقتصر دورهم على المشاركة في الأنشطة التقليدية، وإنما عليهم الإسهام في الإعمار الفكري والوعي المجتمعي والتعافي الوطني، من خلال تناول القضايا التي تؤثر في مستقبل البلاد.
وقال فقيري إن العالم اليوم تدار كثير من قضاياه عبر الإعلام، مشيراً إلى أن الإعلام أصبح من أهم الأدوات المؤثرة في تشكيل الرأي العام، وأضاف أن صناعة الرأي العام تقود بدورها إلى مواقف ومترتبات سياسية ومجتمعية، ولذلك فإن التعامل مع القضايا الحساسة يتطلب إعلاماً واعياً يمتلك القدرة على التحقق والتحليل وتقديم المعلومات بصورة مسؤولة.
وتناول في كلمته قضية الادعاءات المتعلقة باستخدام السلاح الكيميائي، مشيراً إلى أن طريقة تناول مثل هذه الادعاءات إعلامياً قد تؤثر في فهم الجمهور للقضية، وأن التعامل معها ينبغي ألا يقوم على مجرد النفي أو الترديد، وإنما على عرض الحقائق والأدلة والوقائع التي تمكن الرأي العام من تكوين موقفه على أساس المعلومات الموثقة.
وأكد أن الهدف من مثل هذه المنتديات لا ينبغي أن يكون مخاطبة من حسموا مواقفهم مسبقاً، وإنما الوصول إلى أصحاب الرأي المنصف والباحثين عن الحقيقة داخل السودان وخارجه، من خلال تقديم المعلومات بصورة علمية ومنهجية.
واستشهد فقيري بأهمية الرأي العام في التجارب التاريخية والدينية، مشيراً إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يراعي أثر الموقف في الرأي العام حتى في بعض القضايا التي كانت تتعلق بالمنافقين، مستشهداً بما ورد في السيرة من خشية أن يقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه، مؤكداً أن التعامل مع الرأي العام ليس أمراً مستحدثاً، وإنما ظل عاملاً مؤثراً في المجتمعات عبر التاريخ.
كما أشار إلى ما وصفه بوجود ازدواجية في تناول بعض القضايا على المستوى الدولي، داعياً إلى عدم الاكتفاء بالشعارات أو الروايات المتداولة، بل تقديم الحقائق والأدلة، حتى تكون الصورة واضحة أمام الرأي العام المحلي والدولي.
وتطرق فقيري إلى طبيعة الحرب الحالية، مشيراً إلى أنها لا تقتصر على المواجهة العسكرية، وإنما تشمل كذلك جوانب اقتصادية وإعلامية ومعلوماتية، وقال إن الشائعات وتوظيف المعلومات بصورة غير دقيقة يمكن أن تكون جزءاً من الصراع على الوعي، الأمر الذي يجعل مسؤولية الإعلاميين والقانونيين والباحثين أكبر في التحقق من المعلومات قبل نشرها أو البناء عليها.
وفي حديثه عن القوات المسلحة، أوضح فقيري أن المؤسسة العسكرية، وفق ما طرحه، تستند في عملها إلى القوانين واللوائح والمواثيق والأعراف الإنسانية التي تنظم العمل العسكري، مؤكداً أن استخدام الأسلحة الكيميائية محظور بموجب الأطر القانونية الدولية، وأن التعامل مع الادعاءات المتعلقة بها يجب أن يكون عبر الأدلة والإجراءات الفنية والتحقيقات المختصة.
وأشار إلى أن ما يطرح من اتهامات ينبغي أن يخضع للفحص والتحقيق، بدلاً من تحويله إلى حقيقة بمجرد تكراره في وسائل الإعلام، مؤكداً أن التحقق العلمي والقانوني هو الطريق للوصول إلى نتائج يمكن الاستناد إليها.
كما تناول فقيري التحولات التي يشهدها النظام الدولي، ورأى أن العالم يتجه إلى مرحلة تتعدد فيها مراكز التأثير، الأمر الذي يجعل الوعي بالقضايا الدولية وفهم كيفية صناعة الروايات الإعلامية أمراً مهماً للشباب والإعلاميين والمهتمين بالشأن العام.
وأكد أن الولاية الشمالية تزخر بالشباب القادرين على القيام بدور فاعل في التوعية المجتمعية، داعياً إلى استمرار مثل هذه المنتديات بصورة دورية، واقترح عقد لقاءات شهرية تتناول قضايا وطنية وإعلامية وقانونية وعلمية مختلفة.
وشدد على أهمية تطوير الورقة العلمية التي قدمت في المنتدى، وتوثيقها وتوزيعها على الجهات ذات الصلة للاستفادة منها، داعياً المجلس الأعلى للشباب والرياضة والهيئات الشبابية إلى متابعة مخرجات المنتدى والعمل على تحويل التوصيات إلى برامج عملية.
وفي ختام كلمته، أشاد فقيري بالهيئة الشبابية للإعمار والتعافي الوطني ورابطة الصحافة الإلكترونية السودانية، مثمناً المبادرة والحضور والمشاركة، ومؤكداً أن الحوار العلمي والمهني يمثل أحد المسارات المهمة لتعزيز الوعي الوطني ومواجهة المعلومات غير الموثقة.
أسعد: العمل العسكري تحكمه القوانين والأعراف الإنسانية
من جانبه، أكد قائد قطاع دنقلا العملياتي اللواء الركن أسعد حسنين أن القوات المسلحة تعمل وفق منظومة من القوانين واللوائح والمواثيق والأعراف التي تنظم العمل العسكري، مشيراً إلى أن استخدام الأسلحة الكيميائية محظور ومجرّم وفق الأطر القانونية الدولية.
وأوضح أن المؤسسة العسكرية لديها عقيدة ومبادئ تحكم سلوك أفرادها أثناء العمليات، مؤكداً أهمية الاحتكام إلى الأدلة والتحقيقات الفنية عند تناول أي ادعاء يتعلق باستخدام أسلحة محظورة، وعدم تحويل الادعاءات إلى حقائق قبل اكتمال إجراءات التحقق.
ودعا إلى التعامل مع القضايا ذات الصلة بالأمن الوطني بمسؤولية، خاصة في ظل سرعة تداول المعلومات عبر المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي.
الطاهر: مواجهة الشائعات تبدأ من المعلومة الموثوقة
وأكد مدير جهاز المخابرات العامة بالولاية الشمالية العميد أمن الطاهر حسب سيد أهمية التعامل المهني مع المعلومات المتداولة، مشيراً إلى أن الشائعات والمعلومات غير الدقيقة يمكن أن تؤثر في الرأي العام إذا لم تتم مواجهتها بالمعلومة الصحيحة في الوقت المناسب.
ودعا إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات المختصة والإعلاميين والقانونيين، والعمل على التحقق من مصادر المعلومات قبل تداولها، وعدم السماح بإعادة نشر المواد القديمة أو المجتزأة على أنها معلومات جديدة.
وشدد على ضرورة أن يكون الرد على المعلومات غير الصحيحة قائماً على التوثيق والمعلومة الدقيقة، وليس على ردود الفعل غير المنظمة.
نجم الدين: الادعاء لا يقوم مقام الدليل
وتناول اللواء حقوقي نجم الدين عثمان محمد عثمان الجانب القانوني للموضوع، مؤكداً أهمية التمييز بين الادعاء ووقوع الفعل وإثبات المسؤولية عنه.
وأوضح أن أي قضية من هذا النوع تحتاج إلى أدلة يمكن فحصها والتحقق منها وفق الإجراءات القانونية والفنية المعروفة، مشيراً إلى أهمية توثيق الأدلة وحفظها بطريقة تضمن سلامة استخدامها أمام الجهات المختصة.
وأكد ضرورة التنسيق بين المؤسسات القانونية والفنية والإعلامية، بما يضمن تقديم المعلومات وفق مسارات مهنية بعيدة عن التسرع أو الاستنتاجات غير المستندة إلى أدلة.
ذو النورين: سلامة الدليل تبدأ من طريقة جمعه وحفظه
وأكد المحامي ذو النورين نصر الدين أن التعامل القانوني مع الادعاءات المتعلقة باستخدام الأسلحة المحظورة يستوجب التحقق من مصدر المعلومات وطريقة جمع الأدلة وحفظها ونقلها وتحليلها.
وأشار إلى أهمية ما يعرف بسلسلة حيازة الدليل، باعتبارها من العناصر الأساسية التي تساعد على إثبات سلامة الدليل وعدم تعرضه للتغيير أو العبث، مؤكداً أن أي مادة إعلامية أو رقمية لا تصبح دليلاً لمجرد تداولها على نطاق واسع.
ودعا إلى تعزيز الوعي القانوني لدى الإعلاميين، حتى لا تتحول المواد غير الموثقة إلى مصادر يعتمد عليها في بناء روايات أو مواقف قانونية.
غاندي: الإعلام مطالب بالانتقال من رد الفعل إلى المنهج المؤسسي
وشدد المحامي غاندي أنور على ضرورة تطوير منهج مؤسسي للتعامل الإعلامي والقانوني مع القضايا التي تستهدف السودان، مشيراً إلى أن التعامل مع الشائعات يجب ألا يكون موسمياً أو قائماً على ردود الأفعال.
وأكد أهمية معرفة المصدر الأصلي للمعلومة وتاريخها ومكانها وسياقها، وعدم إعادة نشر المواد القديمة باعتبارها أحداثاً جديدة، إلى جانب تجنب العناوين المثيرة التي تمنح الادعاءات غير المثبتة صفة الحقيقة.
ودعا وسائل الإعلام إلى الفصل بوضوح بين الخبر والادعاء والحملة الإعلامية والمعلومة المثبتة، وعدم استخدام الشائعات كمصادر، مع الالتزام بعدم نشر خطاب الكراهية أو التحريض.
كما شدد على أهمية التعاون بين المؤسسات الإعلامية والقانونية والجهات الرسمية والمختصة، وتقديم المعلومات والأدلة إلى الآليات والجهات المعنية عبر القنوات المهنية والقانونية.
توصيات المنتدى
وخلص المنتدى إلى جملة من التوصيات، أبرزها:
الدعوة إلى إخضاع ادعاءات استخدام الأسلحة الكيميائية للتحقق العلمي والقانوني المستقل.
دعم جهود التحقيق الفني وجمع الأدلة وفق الإجراءات المهنية المعتمدة.
إنشاء غرفة رصد إعلامي متخصصة تعمل وفق منهج: «نرصد، نتحقق، نوثق، نحلل، نرد».
إنشاء قاعدة بيانات موثقة للصور والفيديوهات والوثائق والتقارير ذات الصلة.
تدريب الإعلاميين والقانونيين على التحقق الرقمي وتوثيق الأدلة وسلسلة حيازتها.
الالتزام بلغة إعلامية دقيقة تميز بين الادعاء والمعلومة والدليل ونتيجة التحقيق وإثبات المسؤولية.
تعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والقانونية والفنية والجهات الرسمية المختصة.
إصدار تقارير دورية توضح ما تم التحقق منه وما يزال قيد التحقيق وما لم تثبت صحته.
استمرار عقد المنتديات الشبابية والعلمية التي تناقش القضايا الوطنية بمشاركة المتخصصين.
وأكد منظمو المنتدى أن المبادرة تأتي في إطار دعم الحوار العلمي والمهني، وتعزيز ثقافة التحقق والتوثيق، ورفع مستوى الوعي الإعلامي والقانوني، بما يساعد على التعامل مع المعلومات المتداولة حول القضايا الحساسة وفق منهج يقوم على الدليل والتحقيق والمسؤولية المهنية.

