من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: مفطوم اللبن… ما بسكتوا اللولاي

يبدو أن بعض ساسة هذا الزمان قد دخلوا مرحلة جديدة في علم السياسة، يمكن أن نطلق عليها (نظرية الفلول الشاملة) !! ، وهي نظرية تفسر كل شيء ولا تفسر شيئاً في الوقت نفسه، فإذا فشل مؤتمر قالوا الفلول، وإذا انفض سامرهم قالوا الفلول، وإذا تشاجر الحضور على الميكرفون قالوا الفلول، وإذا ضاعت شنطة أحدهم في المطار قالوا الفلول!
آخر فصول هذه الكوميديا السوداء كان مؤتمر أديس أبابا، ذلك المؤتمر الذي دخل الناس إليه بأحلام عريضة وخرجوا منه بحقائب أثقل قليلاً وجيوب أخف كثيراً من الوعود التي أطلقوها، خرج البعض غاضباً، والبعض آسفاً، والبعض لا يدري أصلاً لماذا جاء، أما التوصيات فقد خرجت (بندق في بَحَر) !! أحدثت صوتاً واختفت بلا أثر
المضحك أن ذات الوجوه التي تتكرر في كل مؤتمر هي نفسها التي تظهر في المؤتمر الذي يليه، وجوه أرهقها السفر بين الفنادق وصالات الانتظار أكثر مما أرهقتها هموم الوطن، كل مرة يغيرون اسم المبادرة، ويبدلون لافتة القاعة، ويضيفون بعض الكلمات الرنانة عن الديمقراطية والسلام والتحول المدني، لكن النتيجة تظل كما هي: صورة جماعية، بيان ختامي، وخلافات بالجملة
الحقيقة أن سبب الفشل ليس ذلك (الرجل الخفي)! الذي يتحدثون عنه كلما تعثرت خططهم، ليس هناك ديك سحري ينقض على مؤتمراتهم ليكسر الصحون ويطفئ الأنوار، المشكلة أبسط من ذلك بكثير، من الصعب أن تبني مشروعاً سياسياً وأنت مختلف مع نفسك أكثر من اختلافك مع خصومك
يجتمعون على مائدة واحدة وهم متفقون فقط على شيء واحد: أنهم مختلفون! يدخلون القاعة فرقاء، ويخرجون منها فرقاء، وبين الدخول والخروج يستهلكون ساعات طويلة في تبادل الاتهامات وشرح أسباب الفشل المتوقع قبل وقوعه.
ثم تبدأ الأسطوانة المشروخة: الفلول فعلوا، الفلول أفشلوا، الفلول تآمروا.
الفلول أصبحوا عندهم صارت شماعة يلقون عليهم ملابس الفشل المتسخة ، إذا انقطعت الكهرباء فالفلول، وإذا تأخر الإقلاع فالفلول، وإذا تعطلت ماكينة القهوة في الفندق فالفلول، بل أخشى أن يأتي يوم يقول فيه أحدهم إن سبب ارتفاع درجة الحرارة في أديس أبابا هو نشاط الفلول في طبقات الجو العليا!
لقد تحولت كلمة الفلول عند هؤلاء إلى شماعة ضخمة يعلقون عليها كل أخطائهم، حتى أصبحت أكبر مشروع استثماري سياسي في المنطقة، كلما سقطوا حملوا السلم وعلقوا فشلهم عليها ثم عادوا ليكرروا التجربة من جديد
المشكلة الحقيقية أنهم لم يستوعبوا بعد أن السياسة ليست مؤتمرات ممولة ولا بيانات منمقة ولا صوراً تذكارية أمام الفنادق الفخمة، السياسة مشروع ورؤية وقدرة على قراءة الواقع، أما أن تكرر ذات الأخطاء عشرات المرات ثم تبحث عن متهم جاهز، فذلك أقرب إلى الكوميديا منه إلى العمل السياسي،
ولهذا كلما ابتعدوا عن السلطة ظنوا أن الطريق إليها يمر عبر المزيد من المؤتمرات، بينما كانت الجماهير تبتعد عنهم أكثر فأكثر، لا لأن الفلول منعوهم، بل لأنهم أصروا على السير في الاتجاه المعاكس للواقع
إني من منصتي أنظر … حيث آقول : ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته منذ سنوات: متى تنتهي هذه المسرحية الجميلة الإخراج، الضعيفة النص، المكررة الأحداث؟ ومتى يقتنع أبطالها بأن الفشل أحياناً يكون ابنهم الشرعي، وليس طفلاً لقيطاً وجدوه في الطريق وألصقوا نسبه بالفلول؟
حتى ذلك الحين، إذا هبت الريح قالوا الفلول، وإذا سكنت قالوا الفلول، وإذا ولدت المعزة نعجة قالوا الفلول، قال الشاعر :
إذا كان الغرابُ دليلَ قومٍ
يمرُّ بهم على جيفِ الكلابِ .

