يسريه محمد الحسن تكتب: أعطوهم حريتهم!!

لا تكبلوهم بقيود البيروقراطية العجيبة!.. إن كنتم أيها المسؤولون غير قادرين على تخطي الصعاب وحلحلة المشاكل في أهم مرفقين بعد الخارجية السودانية، وهما هيئة الإذاعة والتلفزيون بأم درمان!
كان زمانك يا إذاعة وتلفزيون، حين كانتا هيئتين منفصلتين، وكان على رأس كل هيئة طاقمها الإداري من خيرة إعلاميي البلد في ذلك الزمان، عهد الرئيس النميري وصولاً حتى عهد الإنقاذ الأولى!.
كان هؤلاء الأول يحلحلون المشاكل التي تعترض الأداء العام بعلاقاتهم الشخصية مع خبراء وأصحاب قرار في دول عظمى، سيما دولة ألمانيا، التي لا تتردد أبداً في إيفاء المطلوبات الهندسية والمعينات الأخرى.
نذكر هنا عهد اثنين من فطاحلة الإدارة لجهاز تلفزيون السودان، وهما حسن أحمد عبد الرحمن والطيب مصطفى. فكلاهما يحظى بعلاقات واسعة مع كبريات شركات إنتاج الأجهزة التلفزيونية في بلاد الغرب كافة، وإن كان الطيب مصطفى يستغل علاقة القربى من البشير فيجلب المال، وكل ما من شأنه جعل الأداء بالجهاز في قمته!.
عاصرنا هؤلاء وهما تحت ظل حكومة تستشعر قيمة ترك الشأن لأصحابه، وكما المثل الرائج: «أعطِ العيش لخبازه ولو أكل نصفه»!
هذا بالطبع لا ينتقص من مجهودات وزير الإعلام الأستاذ خالد الإعيسر. فقد ساقتنا أقدامنا أمس القريب لزيارة الحيشان التي تربينا فيها ونشأنا وترعرعنا، فكانت وما زالت في دمائنا، يجري ويستقر ويسكن هواها.
فإذا بنا نفاجأ، بعد مرور هذه المدة غير القصيرة بعد التحرير، ببطء شديد في الإعمار! هالنا المنظر الكئيب لواجهة مبنى الإذاعة الخارجية، وكيف علا السواد جراء الحريق الكبير كل جدران المبنى المقدس!
دلفنا إلى الداخل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! دُمرت الإذاعة تماماً، كل الاستوديوهات تقريباً، والمكاتب، وهيئة البث.
سمعنا من الإخوة أن مستشار حميدتي، يوسف عزت، ونفراً من المتآمرين، قد استطاعوا تشغيل الإذاعة لمدة ثلاثة أيام، لكن الأبطال من أبناء الإذاعة، وبتوجيه من الأخ البزعي، المدير العام، قاموا بقطع الإرسال كي لا يصل إلى الناس!.
وحين علم هؤلاء الجهلاء بذلك، قاموا بتدمير المبنى كلياً! منظر يدمي القلب. إلى الآن لم تمتد يد الإعمار إليه!.
وبفضل جهود أولادنا المهندسين والمخرجين، وعلى رأسهم الأستاذ البزعي، المدير العام، استطاعوا تشغيل وتأهيل استوديو الأزهري الكبير، واستوديو عبد الله الطيب الذي يعمل الآن بثاً مباشراً.
المشكلة التي أذهلتنا، ولا نستطيع جراءها حتى اللحظة استيعابها، تكمن في عدم وجود محول كهربائي كما السابق حين ينقطع التيار الكهربائي. كان حتى آخر الأيام يوجد جنريتر ضخم، فور انقطاع التيار يعمل تلقائياً، فلا يتوقف صوت السودان لدقيقة واحدة!
أعجب والله، إي والله أعجب!.
الدولة تنفق وبسخاء على «مهرجانات لا معنى لها»، كـما سمي بملتقى الإعلاميين، وما هو كذلك أبداً. ونما إلى علمنا مبلغ الاثنين مليون دولار التي صرفت إعاشة ونثريات وحوافز!!!.
أما كان الأولى توظيف هذا المبلغ الكبير لتأهيل استوديوهات الإذاعة والتلفزيون؟ ومبنى البث؟
المهم؟.
أما كان الأولى والمهم تأهيل المباني التي دمرها مجرمو العصر وأحالوها إلى أكوام رماد؟ مالكم كيف تحكمون؟
ما هي الأهمية في بربوقندا كُبرى ابتدعوها مستشارو الرئيس البرهان، وماذا يجني الوطن الجريح من ورائها؟ «ظيطة وزمبليطة»، وانتهت بانتهاء مراسم دفن استشعار المسؤولية في الأولويات، ونحن نرفع شعار الإعمار!.
سيدي الرئيس، والله لنخجل المرة تلو المرة ونحن نخاطبك، وذلك لسبب بسيط جداً، فأنت تقود معركة كرامة شعب السودان كله، والعدو شرس ويتمدد ويكبر يوماً من بعد يوم، ولا أظنه سيرضى بالهزيمة التي لحقت به بفضل قيادتكم الذكية لهذه الحرب اللئيمة.
حتماً سيستجلب ما في وسعه لإطالة أمد هذه الحرب، لعله في نهاية الأمر يجد بعضاً من آماله المحطمة وقد تحققت، وندعو الله صادقين أن يخزيهم ويهزمهم شر هزيمة.
فخامة الرئيس، نستحلفك بالذي رفع السماء بغير عمد أن تكف أيدي الجهات الأمنية عن الإذاعة والتلفزيون.
نقدر وطنيتهم وإحساسهم الجميل في الحفاظ على البلد وعطاءهم اللامحدود وغيرتهم على سلامة وأمن السودان، سيما صوت السودان القوي وعينه الإعلامية.
لكن، وبالمقابل، الإدارة في جهازي الإذاعة والتلفزيون تعي تماماً تحديات المرحلة، ولا تقل وطنية واستشعاراً بعظم المسؤولية.
دعوهم يعملون بما يرونه هم الأفضل لتخطي العقبات وتسريع عمليات البناء والإعمار.
فتدخل الجهات الأمنية في العملية الإبداعية والمهنية، برأينا المتواضع، تكبل هؤلاء الإداريين وتحد من انطلاقتهم للتطوير والبناء والإعمار.
دعوهم، فهم قادرون بعلاقاتهم على تسريع عودة الجهازين إلى وضعهما الطبيعي قبل الحرب.
لا ننفي قبولنا بوجود رقابة على الأداء، لكننا نقول: رقابة أمنية مقبولة، لكن أن تتولى هذه الجهات الأمنية كامل التخطيط والبرمجة وكل شيء، من المحتوى وحتى اختيار الكادر البشري، فهذا برأينا اتركوه لتقديرات أصحاب الشأن، فهم الأقدر والأفضل والخبراء بهذا الأمر.
نقطة مهمة..
حدثني الأخ الزين، صاحب كافتيريا الإفطار بالإذاعة، أنه قبل اندلاع الحرب بثلاثة أسابيع، وبعد أن أكمل الإفطار، خرج عند بوابة الإذاعة وجلس لا يلوي على شيء وقتها.
تاشر الحراسة (المزعومة) للعدو يقف عند مدخل بوابة الإذاعة، والأفراد فيه يفترشون حصيراً يرقدون عليه أمام التاتشر.
قال الزين كلاماً كثيراً جداً، ومن ضمنه:
«سمعت واحد بتكلم بالتلفون، الظاهر مع أهلو أو زملاء له بالبلد. سمعته بقول: والله الليلة قاعدين ساكت، لسه ما أدونا التعليمات عشان نكاتل! طلقة واحدة ما فكيناها لسه!!!».
وهذا القول الصادق جداً من الزين يبرئ تماماً الإسلاميين من تهمة إطلاق الرصاصة الأولى، كما تحاول قحت، ربيبة حميدتي وخادمة بن زايد، أن تروج لها.
السيد القائد، حفظك الله ونصرك..
أتمنى أن تلقى كلمتي هذه عندك أذناً صاغية. ::

