مقالات

يقظة أمة.. د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب تكتب: الحرب النفسية بين الشائعة والحقيقة: كيف عوّضت المليشيا فشل الميدان بحرب الإعلام؟

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالرصاص والمدافع وحدها، بل أصبحت العقول والنفوس ساحات قتال لا تقل أهمية عن ميادين المعارك العسكرية. وفي ظل الحرب التي تشهدها البلاد، برزت الحرب النفسية باعتبارها أحد أخطر أسلحة المليشيا بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية على الأرض. فكلما ضاقت عليها الخيارات الميدانية، اتجهت إلى سلاح الشائعات والأخبار المضللة ومحاولات بث الرعب والإحباط وسط المواطنين.

تعتمد حروب الجيل الخامس على استهداف الوعي الجمعي للمجتمعات أكثر من استهداف الجيوش، إذ تسعى إلى إضعاف الروح المعنوية، وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة، ونشر الفوضى والارتباك عبر منصات الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي. ومن هنا أصبحت الشائعة جزءاً من المعركة، بل ربما تفوق في تأثيرها أحياناً بعض العمليات العسكرية المباشرة.
وخلال الفترة الماضية، لجأت المليشيا إلى ترويج أخبار متكررة عن سقوط مدن أو انهيار مواقع عسكرية أو حدوث انشقاقات داخل القوات النظامية، وذلك قبل وقوع أي أحداث حقيقية. والهدف من هذه الحملات ليس نقل المعلومات، وإنما صناعة حالة نفسية من الخوف والقلق تؤثر على المواطنين وتدفعهم إلى اتخاذ مواقف مبنية على معلومات غير صحيحة. وعندما تتكرر الشائعة وتنتشر على نطاق واسع، فإن بعض الناس يتعاملون معها وكأنها حقيقة حتى قبل التحقق منها.

لقد أثبتت التجربة أن المليشيا كلما تعرضت لخسائر ميدانية كبيرة، زادت من نشاطها الإعلامي والدعائي. فالفشل في الميدان تحاول تعويضه بانتصارات وهمية في الفضاء الإعلامي. وعندما تعجز عن السيطرة على الأرض، تسعى إلى السيطرة على الرواية، لأن من يملك الرواية يستطيع التأثير في الرأي العام ولو بصورة مؤقتة.

غير أن المسؤولية لا تقع على المليشيا وحدها، بل تطرح تساؤلاً مهماً حول دور الإعلام الوطني في مواجهة هذه الحرب النفسية المنظمة. فالإعلام الوطني ليس مجرد ناقل للأخبار، وإنما هو خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع. وعندما يتأخر في تقديم المعلومة الصحيحة أو يترك فراغاً إعلامياً، فإن الشائعات تجد البيئة المناسبة للانتشار والتأثير.

إن التصدي لحرب الشائعات يتطلب إعلاماً وطنياً سريعاً واحترافياً وقادراً على الوصول إلى المواطنين في الوقت المناسب. فالمعلومة الصحيحة إذا تأخرت تفقد جزءاً كبيراً من تأثيرها، بينما تنتشر الشائعة بسرعة كبيرة مستفيدة من وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك فإن معركة الإعلام اليوم لا تقل أهمية عن معركة السلاح، لأن الهدف النهائي للطرف المعادي هو كسر إرادة المجتمع وإضعاف ثقته بنفسه وبمؤسساته الوطنية.

كما أن مواجهة الحرب النفسية تحتاج إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتعزيز ثقافة التحقق من الأخبار قبل تداولها، وعدم المساهمة في نشر المحتوى المجهول المصدر. فكل مواطن قد يتحول دون أن يشعر إلى أداة لنشر الشائعة إذا قام بإعادة إرسال الأخبار غير الموثقة. ولذلك فإن المسؤولية مشتركة بين المؤسسات الإعلامية والمواطنين والنخب الفكرية والسياسية.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة استعادة الأرض، وإنما أيضاً معركة حماية العقول من التضليل والتزييف. فالوطن الذي ينتصر في ميدان الوعي يصعب هزيمته في أي ميدان آخر. ومع استمرار محاولات المليشيا لاستخدام أساليب حروب الجيل الخامس، يبقى الرهان على وعي الشعب، ومهنية الإعلام الوطني، وقدرة مؤسسات الدولة على تقديم الحقيقة للرأي العام بصورة سريعة وشفافة. وعندها ستسقط الشائعة أمام الحقيقة، وستفشل الحرب النفسية كما فشلت محاولات الحسم في الميدان.

* باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى