من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: تيمان شُغُل.. ما بتفرقوا !

التيمان ليس بالضرورة أن تكون أمهما واحدة، ولا أن يكونا قد خرجا من رحم واحد ، أحياناً تصنعهما الفكرة الواحدة، والقيمة الواحدة، والمسؤولية التي لا تقبل أنصاف الحلول ، تيمان تجمعهما هارمونية في الأداء، فيصبح اختلاف المواقع مجرد تفصيل، بينما يجمعهما الهدف: أن يرى المواطن أثراً حقيقياً لما يُقال في المكاتب
ومن هذه الزاوية تحديداً، لفت نظري اثنان في العمل التنفيذي؛ لا لأنهما متشابهان في الوظيفة، وإنما لأنهما متشابهان في فلسفة الأداء: د. معتـصم أحمد صالح، وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، والدكتور يحيى أحمد عبد الله القمراوي، الأمين العام لديوان الزكاة
الأول، منذ أن تقلد موقعه، يتصرف وكأن الوزارة خلية نحل لا مكتب حكومي ، تخطيط، ثم تنفيذ، ثم تقييم؛ وهذه الثلاثية هي التي تصنع الفرق بين المسؤول الذي يدير موقعاً، والمسؤول الذي يصنع أثراً
تجده ينتقل من ولاية إلى أخرى، يطرح البرامج، ويدشن المبادرات، ويبحث عن المواطن في مكانه بدلاً من انتظار المواطن عند باب مكتبه، والأهم أن حضوره الميداني ليس حركة من أجل الحركة؛ وإنما حضور له مضمون، وبرامج تستهدف شرائح مؤثرة في المجتمع وتلامس احتياجات حقيقية.
أما التوأم الآخر، الدكتور يحيى القمراوي، فقد تسلم أمانة ديوان الزكاة حديثاً، لكنه فيما يبدو لم يمنح الكرسي فرصة طويلة ليتعرف عليه!
منذ البداية انطلق إلى الولايات، وبدأ في افتتاح ومتابعة برامج خدمية تمس حياة المواطن مباشرة. وكأن الرجل يقول إن أمانة الزكاة ليست عنواناً في مكتب، وإنما أمانة تمشي على الأرض حتى تصل إلى مستحقيها
واللافت في طرح القمراوي أنه لا يتعامل مع الزكاة باعتبارها مجرد إعانة تُعطى للمحتاج ثم تنتهي الحكاية. هناك فهم أوسع لفلسفة الماعون الزكوي: أن يكون الدعم جسراً يعبر بالمواطن من الاحتياج إلى الاعتماد على النفس، ومن متلقٍ للدعم إلى شخص قادر على الإنتاج، وربما إلى داعم لغيره غداً
وهنا يصبح الأمر أكبر من توزيع مال؛ إنه محاولة لصناعة كرامة اقتصادية واجتماعية.
وهذا هو وجه الشبه الذي جعلني أضع الاثنين في منصة واحدة.
أحدهما في الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، والآخر على رأس مؤسسة الزكاة؛ لكن كليهما يتحركان بمنطق واحد: خطط تُنفذ، وميدان يُزار، ومواطن هو نقطة البداية والنهاية
نحن لا نحتاج إلى وزراء يكثرون من البيانات بقدر حاجتنا إلى مسؤولين يجعلون المواطن يرى أثر القرار في حياته.
ولا نحتاج إلى مسؤول يعرف طريق مكتبه فقط؛ نحتاج إلى مسؤول يعرف طريق الولاية، وطريق القرية، وطريق المحتاج، وطريق المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة
إني من منصتي أنظر… حيث أقول : هذان التوأم ينبغي أن يحتذى بهما كثير من وزراء حكومة الأمل.
فإذا كانت التوأمة تعني أن يتفق اثنان على خدمة الناس، وأن تتطابق خطواتهما في الميدان وإن اختلفت حقائبهما، فأنا مع الإكثار من التوأم!
بل نريد حكومة كاملة من هذه التوائم ؛ كل وزير يحمل قيمة، وكل مسؤول يملك خطة، وكل مؤسسة تعرف ماذا تريد أن تفعل، ومتى تفعل، وكيف تقيس ما فعلت
فالمنصب ليس كرسياً
المنصب امتحان.
والنجاح فيه ليس بعدد الاجتماعات، ولا بعدد الصور، ولا بطول البيانات؛ وإنما بما يتركه المسؤول خلفه من أثر في حياة الناس.
معتصم ويحيى، في تقديري، يقدمان نموذجاً يستحق أن يُرى بعين مختلفة: توأم في الأداء، وإن اختلفت الحقائب؛ توأم في النزول إلى الميدان، وإن اختلفت المؤسسات؛ وتوأم في الفكرة الأهم… أن المسؤولية لا تُمارس من فوق الكرسي، وإنما من بين الناس.
عشان كده… ديل
تيمان شغل… ما بتفرقوا!

