مقالات

كر البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: دين الحق

منذ أن هبط آدم عليه السلام إلى الأرض، ظلت فطرة الإيمان مركوزة في ذريته.

ولن تجد أمةً ملحدةً بالكامل، ولن تجد أمةً لا تتقرب إلى الله زلفى، تروي شوقها وتلبي فطرتها التي فطر الله الناس عليها.

نعم، ستجد من يُلحد، ومن يكفر، ومن يشرك، ومن يعبد حجرًا أو شجرًا أو بقرًا، ولكن إذا سألتهم جميعًا: من خلقكم؟ ليقولُنَّ: الله.

تكاثرت ذرية آدم عليه السلام، وتفرقت في الأرض، وأصبحت شعوبًا وقبائل وألسنةً وسحنات، فأرسل الله رسله إلى كل أمة بلسانها: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾.

ولم تنقطع الرسالات ولا الرسل أبدًا، ﴿ولكل أمة رسول﴾.
التاريخ البشري لا ينكر وجود الرسل، فقد تناقل الناس أمرهم جيلًا بعد جيل، وأصبح ذلك من المسلمات.

وكذلك لا ينكر الناس الكتب السماوية التي أُنزلت على الرسل، وما زالت متداولة في أيدي الناس: (التوراة والإنجيل والقرآن).
وكل الأديان تدعي أنها على ملة إبراهيم عليه السلام، وتعترف بأن هناك رسلًا.

ولكن عندما أعلن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنه مرسل أيضًا، وليس بدعًا من الرسل، كفروا به وأنكروا ذلك!
وهذا عجب.

﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾.
فما وجه الغرابة في ذلك، وقافلة الرسل من قبله قد مرت وبلغت؟
﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان﴾.

ماذا يمنع أهل الكتاب أن يؤمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟

﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين﴾.

إنهم يعرفون ذلك: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾.
وهذه المعرفة عبر التوراة والإنجيل: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾.

إن التوراة والإنجيل هما الحجة والدليل.
﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾.

التوراة والإنجيل والقرآن من مشكاة واحدة.
﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه﴾.
إذن لا يوجد الآن كتاب أهدى منهما.

التوراة أُنزلت على موسى عليه السلام، وقد كُتب فيها ذكر النبي الأمي: ﴿الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل﴾.

إن إنكار نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إنكار للتوراة نفسها.
﴿مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا﴾.
وجاء بعد الرسول موسى عليه السلام الرسول عيسى عليه السلام.
﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾.
وجاء يحمل معه الإنجيل، مكملًا للتوراة ومصدقًا لها، وبشَّر برسول يأتي من بعده.

﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾.
فكيف يؤمنون بموسى عليه السلام ويكفرون بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام؟

ثم انقطع الوحي عن الأرض سبعمائة سنة، وبقيت التوراة والإنجيل بين يدي بني إسرائيل، فنسوا حظًا مما ذُكروا به، بل وحرَّفوه أيضًا.
﴿يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذُكروا به﴾.
لقد شهد الله على هذا التحريف.

﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا﴾.
إنها التجارة الخاسرة.

ولقد أُخذ الميثاق منهم لبيان ما جاء في الكتاب من الحق، ولكن:
﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا، فبئس ما يشترون﴾.
وكذلك حدث للإنجيل من نسيان وتحريف.

﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذُكروا به﴾.
ثم جاء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن.

﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾.

إذن مهمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بيان الدين الحق، مكملًا للتوراة والإنجيل، ومصدقًا لهما، بل ومهيمنًا عليهما، حيث لن يطاله تحريف قط.

﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه﴾.

جاء بالقرآن تبيانًا لكل شيء، ومخففًا على الناس، ومحررًا لهم بالكامل من كل دجل وواسطة.

﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾.
جاء القرآن لكسر أغلال الاستعباد، وجاء بالدين الحق الذي يلبي الفطرة.
﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.

ولقد جاء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ليخفف عنهم، كما يجدونه مكتوبًا عندهم.

﴿الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾.
فأي عاقل يرفض هذا العرض؟

إنه بسبب الظلم والفساد والغلو، شدد الله عليهم وضيق عليهم في الطيبات.

﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا﴾.

دعوتنا للأمة القائمة من أهل الكتاب الذين يخشون ربهم أن ينظروا إلى القرآن وإلى دعوته الصريحة.

﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله﴾.
إن السبيل الوحيد لعبادة الله هو كتبه التي بيَّن فيها دينه خالصًا دون تحريف البشر.

فالله وحده هو الرب المعبود، فلماذا نتخذ من دونه أربابًا؟!
إننا ندعوكم لتتجاوزوا تحريف المبطلين، ولا تكونوا كالذين خلوا.
﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أُمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون﴾.
إنه ليس في الدين الحق مجاملة لأحد من البشر.
﴿إن الدين عند الله الإسلام، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم﴾.

اقرؤوا القرآن، فسوف تجدون الدين الحق.
﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.
اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى