بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: عودة الجامعات السودانية: سياسة رمزية العودة على حساب جوهر التعليم

يُمثّل قرار إلزام الجامعات السودانية العاملة في الخارج وفي مناطق النزوح بالعودة إلى مقراتها الأصلية في الخرطوم واحداً من أكثر سياسات التعليم العالي أثراً وإثارة للجدل منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. ورغم أن هذا القرار قُدِّم رسمياً باعتباره مؤشراً على التعافي والعودة إلى الحياة الطبيعية، فإن تنفيذه يكشف عن فجوة صارخة بين الرمزية السياسية والحقائق العملية التي تواجه الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والمؤسسات. تسعى هذه المقالة إلى فحص الإجراءات التي تحكم عملية العودة، وإجراء تحليل للتكاليف والفوائد، وتحديد العقبات الرئيسية، وتقييم جدوى المراكز الأكاديمية الخارجية، وتقييم الآثار المترتبة على عائدات النقد الأجنبي ورأس المال البشري الوطني.
الإطار السياسي وإجراءاته
في يونيو 2026، أصدر وزير التعليم العالي والبحث العلمي السوداني القرار رقم 83 لسنة 2026، الذي يُلزم جميع مؤسسات التعليم العالي العاملة خارج السودان أو في مناطق النزوح بالعودة إلى مقراتها الأصلية المرخّصة بحلول الأول من أغسطس 2026. واستند القرار، المستند إلى قانون تنظيم التعليم العالي لسنة 2021، صراحةً إلى ربط امتثال المؤسسات بحقها في قبول طلاب جدد للعام الدراسي 2026–2027. وكانت المؤسسات التي تفشل في إكمال عودتها محرومة من قبول دفعات جديدة — وهي آلية قسرية صُمِّمت لفرض الامتثال.
وقد اتسمت الآليات الإجرائية بالتفاوت والاضطراب. فقد صدرت التعليمات إلى الجامعات بوقف جميع الأنشطة في المراكز البديلة والمؤقتة، سواء داخل السودان أو خارجه، ونقل العمليات الأكاديمية والامتحانات والخدمات الإدارية حصرياً إلى مواقعها الأصلية. وبالنسبة لجامعة الخرطوم، يعني ذلك استئناف العمليات في مقرات كانت مواقع مواجهات عسكرية نشطة وتعرضت لأضرار واسعة. وأعلنت الجامعة عودتها بإشعار ضئيل، مما فرض على الطلاب ما وصفوه بـ”أعباء لوجستية ومالية هائلة”. وكان الموعد النهائي في الأول من أغسطس إشكالياً بشكل خاص، إذ تزامن مع نهاية العام الدراسي واقتراب الامتحانات النهائية لكليات عديدة — وهو توقيت هدد بإبطال عام دراسي كامل من التحضير الأكاديمي.
تحليل التكاليف والفوائد
تستند المبررات الرسمية للعودة إلى فوائد رمزية وسياسية: إظهار أن الخرطوم أصبحت مستقرة بما يكفي لاستئناف الحياة الطبيعية، واستعادة الدور المركزي للجامعات في إعادة الإعمار الوطني، وإظهار سيطرة الدولة على الأراضي المستعادة من المعارضة المسلحة. وقد رُوِّجت الزيارات الوزارية لمقرات مثل جامعة الرازي كدليل على “التعافي التدريجي” للعاصمة و”الزخم المتصاعد في قطاعي الخدمات والتعليم”.
وفي مقابل هذه الفوائد الرمزية، فإن التكاليف الملموسة هائلة. فقد قدّرت وزارة التعليم العالي نفسها الخسائر المرتبطة بالحرب في هذا القطاع بنحو 3 مليارات دولار، وعزت حجم الدمار إلى استخدام القوات المسلحة للحرم الجامعي كثكنات عسكرية وتدمير المختبرات ومراكز البحث. وبالنسبة للطلاب الأفراد، تتجاوز تكلفة العودة إلى الخرطوم الآن 1000 دولار للشخص الواحد، مقارنة بنحو 150 دولاراً كانت مطلوبة سابقاً لأداء الامتحانات في مراكز الخليج. وتبلغ رسوم الإقامة لطلاب القبول العام 200 ألف جنيه سوداني للعام الدراسي، بينما يدفع طلاب القبول الخاص 150 ألف جنيه شهرياً مقابل السكن في المدن الجامعية.
وكشف مسح شمل 1135 طالباً في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم عن الحسابات القاتمة: 51.1 في المائة كانوا خارج السودان، و8 في المائة فقط اعتقدوا أنهم قادرون على حضور جلسة الامتحان التالية. ولم يستطع نحو الثلث (31.7 في المائة) تحمّل تكاليف السفر إلا بصعوبة بالغة، بينما لم يستطع 26.2 في المائة تغطية النفقات على الإطلاق. والأهم من ذلك، أن 74.7 في المائة أفادوا بعدم وجود مكان لإقامتهم في الخرطوم بعد انتهاء الامتحانات. وقد قدّرت الرابطة أن ما لا يقل عن ثلث طلاب الهندسة غير قادرين فعلياً على العودة تحت أي ظرف.
العقبات أمام عودة ذات معنى
إن العقبات أمام بيئة أكاديمية فعّالة ليست عارضة؛ بل هي بنيوية. أولاً، دمار البنية التحتية واسع النطاق. تفتقر الحرم الجامعية إلى قاعات محاضرات ومختبرات ومكتبات ومدن جامعية صالحة للعمل. وتعاني المدن الجامعية في الحرم المركزي لجامعة الخرطوم من عدم الصلاحية، وقد رُفِض اقتراح بإسكان الطلاب في أم درمان. ثانياً، الخدمات الأساسية مثل الكهرباء الموثوقة والمياه النظيفة والرعاية الصحية والاتصال بالإنترنت غائبة إلى حد كبير، مما يجعل استمرار العمليات الأكاديمية بالغ الصعوبة. ثالثاً، لا تزال مسألة الأمن والإسكان دون حل. فطرق النقل معطلة، والشوارع القريبة من الحرم الجامعي “شبه فارغة”، ويتطلب التنقل الحذر. رابعاً، مقاومة أعضاء هيئة التدريس كبيرة. فقد تحرّك أعضاء هيئة التدريس في كلية الطب بجامعة الخرطوم نحو استقالات جماعية، معلنين أن “عقد الامتحانات في الظروف الراهنة مستحيل” بسبب “نقص حاد في أعضاء هيئة التدريس”. وحذّرت نقابة أعضاء هيئة التدريس من أن العودة إلى التعليم الحضوري، لا سيما في الطب والهندسة والعلوم التطبيقية، تتطلب بنية تحتية غير متوفرة ببساطة.
جدوى المراكز الخارجية وإغلاقها
أدّت مراكز الامتحانات الخارجية التي أُنشئت في مصر والسعودية ورواندا ودول أخرى وظيفة حيوية خلال الحرب. فقد أتاحت للطلاب النازحين وأبناء المغتربين مواصلة تعليمهم دون تحمّل التكاليف الباهظة والمخاطر اللوجستية للعودة إلى منطقة حرب. وبالنسبة للأسر السودانية التي فرّت إلى الخارج، مثّلت هذه المراكز الآلية الوحيدة القابلة للتطبيق لإكمال أبنائهم درجات تعطلت بسبب النزاع. كما مكّنت الطلاب الذين أُجبروا على المنفى دون إكمال تعليمهم من التسجيل في برامج التعلم عن بُعد وأداء الامتحانات في بلدان إقامتهم، مما حسّن ظروفهم.
ويُنظر إلى إغلاق هذه المراكز على نطاق واسع باعتباره مدفوعاً بدوافع سياسية وليس سليماً أكاديمياً. ويجادل المنتقدون بأنه يُجبر المواطنين على العودة بغض النظر عن التكلفة الإنسانية، مما يجعل السكان فعلياً “يبحثون عن حلول” بدلاً من أن توفرها الدولة. والعواقب العملية وخيمة: فقد يتخلى العديد من الطلاب عن دراستهم تماماً بدلاً من العودة، مما يعطّل مساراتهم التعليمية وآفاق توظيفهم المستقبلية.
وكشف مسح شمل 1613 من أولياء الأمور أن 88.4 قي المائة عارضوا الإغلاق في توقيته الحالي، مطالبين بإلغائه أو مراجعته مراجعة شاملة. وقد شدّد أولياء الأمور على أن معارضتهم لا تعكس رفضاً للعودة إلى السودان، بل مطلباً بسياسات عودة طوعية وتدريجية تراعي ظروف الحرب.
الحرمان من النقد الأجنبي وخسارة رأس المال البشري
يحمل إغلاق المراكز الخارجية آثاراً كبيرة على تدفقات النقد الأجنبي ورأس المال البشري الوطني. ورغم عدم توافر أرقام دقيقة، كانت هذه المراكز توجه إنفاق الأسر السودانية بالنقد الأجنبي نحو خدمات تعليمية خارج البلاد — وهو تدفق، وإن كان متواضعاً، مثّل نشاطاً اقتصادياً داخل الاقتصادات المضيفة بدلاً من اقتصاد السودان. ويؤدي إغلاقها، مقروناً بالعودة القسرية للطلاب، إلى عكس هذا الديناميكي: إذ يتعين على الأسر الآن إنفاق النقد الأجنبي على السفر والتأشيرات والانتقال إلى بلد خدماته محدودة وبنيتها التحتية مدمرة.
والأكثر خطورة أن السياسة تُسرّع هجرة الكفاءات. فقد هاجرت نسبة كبيرة من أعضاء هيئة التدريس، مع تقديرات تشير إلى أن ما يصل إلى 70 في المائة قد رحلوا. ويواجه الباقون رواتب غير مدفوعة أو منخفضة القيمة ولا يستطيعون تحمّل تكاليف الانتقال. وحذّرت نقابة أعضاء هيئة التدريس بجامعة الخرطوم من أن قرار العودة قد يصبح “وسيلة لفرز أو تصفية الأساتذة داخل السودان وخارجه دون تقديم ضمانات حقيقية لأوضاعهم”. وتمثّل هجرة الأكاديميين المؤهلين خسارة للخبرة التي استثمرت فيها الدولة بكثافة على مدى عقود — وهي خسارة ستستغرق أجيالاً لعكسها وستقوّض أي إعادة بناء مستقبلية لقطاع التعليم العالي.
الخاتمة
إستجابة الجامعات السودانية لاستمرار التعليم العالية بإنشاء مراكز داخل وخارج السودان كانت خطوة عظيمة وعملية ناجحة ولكن عودتها بقرار غير العملية إلى الخرطوم مضت قدماً رغم الظروف، وليس بسببها. وتُعطي السياسة الأولوية لرمز سياسي للتعافي على حساب الرفاه الفوري والاستمرارية التعليمية للطلاب وأعضاء هيئة التدريس. إن خسائر البنية التحتية البالغة 3 مليارات دولار، ونزوح الكفاءات الأكاديمية، وغياب الخدمات الأساسية، والاستحالة المالية للعودة بالنسبة لنسبة كبيرة من الطلاب، تجعل السياسة غير واقعية، بل ومدمّرة للكثيرين. ولم تكن المراكز الخارجية، بعيداً عن كونها شذوذاً يجب إزالته، سوى تكيّف عملي مع ظروف الحرب وهو تكيّف تقوم الدولة الآن بتفكيكه على حساب المواطنين الذين تدّعي خدمتهم. وبدون معالجة جذور الأزمة وتوفير الحد الأدنى من الظروف لحياة أكاديمية ذات معنى فإن العودة تخاطر بإنتاج ليس متكامل، بل المزيد من تفريغ نظام التعليم العالي السوداني وخسارة المستقبل التعليمي لجيل كامل. أين هو دعم الدولة وأبسطه إعفاء الجامعات من تكلفة الضرائب ورسوم الجمارك علي المعدات اتي تم استيرادها بعد أن تم تدميرها.

