أشرف عبد الباري متوكل يكتب: سلاح ذو حدين: بين حماية الاقتصاد وخطر الأزمة

قراءة في قرار تنظيم الواردات وكيف نضمن نجاحه
في خطوة جريئة طال انتظارها، أصدر رئيس الوزراء كامل إدريس مؤخراً حزمة من القرارات الاقتصادية المهمة، كان في مقدمتها قائمة بالسلع المحظور استيرادها. الهدف المعلن نبيل ووطني بامتياز: ضبط الميزان التجاري، ترشيد استخدام النقد الأجنبي، ودعم الإنتاج المحلي وفق سياسة “إحلال الواردات” التي أقرتها اللجنة الاقتصادية العليا. وهي بلا شك خطوة في الاتجاه الصحيح، وتعبر عن رغبة حقيقية في حماية ما تبقى من الاقتصاد الوطني.
لكن، وكما يقول المثل الشعبي: “اللي ما يعرف يقول خير، يصمت”. هذه القرارات، رغم أهميتها، هي سلاح ذو حدين. منع استيراد سلعة ما دون وجود بديل محلي متوفر بالكمية والجودة والسعر المناسب، ليس سياسة اقتصادية رشيدة، بل هو وصفة جاهزة لأزمة معيشية خانقة. ماذا سيحدث في ظل غياب البديل المحلي؟ ببساطة: نقص حاد في الأسواق، ارتفاع جنوني في الأسعار، وازدهار لاقتصاد الظل والتهريب. وعندها، سيتحول القرار الذي كان يهدف لحماية المواطن إلى عبء إضافي يثقل كاهله، وهذا بالتأكيد ليس ما يصبو إليه صانع القرار.
السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف نضمن ألا تتحول هذه السياسة الحميدة إلى نقمة؟ كيف نقطع الطريق على أي أزمة محتملة قبل أن تبدأ؟
الإجابة تكمن في كلمة واحدة: التكامل. لا يمكن أن تنجح سياسة “منع الاستيراد” بمعزل عن سياسة “تشجيع التصنيع المحلي”. لا بد أن تسير الخطوتان معاً، جنباً إلى جنب، ويداً بيد. أي قرار منع لا يسبقه أو يرافقه قرار دعم للإنتاج المحلي، هو قرار ناقص، أشبه بمن يبني سقف بيت دون جدران.
وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى حزمة تحفيزية عاجلة وموازية، تستهدف رجال الأعمال والقطاع الخاص الوطني. تخيلوا معي لو أن قرار المنع صاحبه إعلان واضح ومحدد بقائمة السلع المطلوب تصنيعها محلياً كبدائل، لتكون بمثابة “خارطة طريق” للمستثمر. تخيلوا لو قُدمت تسهيلات وحوافز استثنائية للمصانع القائمة لتوسعة خطوط إنتاجها، ومنحت إعفاءات ضريبية وجمركية سخية للمستثمرين الجدد الراغبين في خوض غمار التصنيع. تخيلوا لو توفرت آلية تمويل ميسر وسريع، بالتعاون مع البنوك وبدعم من الدولة، لتشجيع رواد الأعمال على المغامرة المحسوبة في هذا المجال الحيوي.
النتيجة حينها ستكون مذهلة: المواطن لن يشعر بأي نقص في السلع، بل قد يجد بدائل وطنية بجودة عالية وسعر مناسب. الاقتصاد سيبدأ في التعافي الحقيقي، لا عبر إجراءات مؤقتة، بل عبر بناء قاعدة إنتاجية صلبة. والأهم من ذلك كله، ستُخلق آلاف فرص العمل، وستعود الحياة لشرايين الاقتصاد. بهذا التكامل فقط، نضمن أن السياسة الاقتصادية تحقق هدفها، فلا تترك فراغاً يملؤه غلاء واحتكار، بل تبني وطناً منتجاً ومعافى. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يكتب لهذه القرارات الجريئة النجاح، وتجعل المواطن يشعر بأنها كانت من أجله حقاً.

