من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: الشوكة أُم بُوز!

حينما اشتد حصار الأبيض، لم تكن المعركة عسكرية فحسب، بل كانت معركة نفسية وإعلامية بامتياز، خرجت المليشيا تبشر أتباعها بأن المدينة باتت قاب قوسين أو أدنى من السقوط، وأن اقتحامها مجرد مسألة وقت. وفي ذات التوقيت، علت أصوات من المجتمع الدولي تحذر من (اجتياح وشيك) وما قد يترتب عليه من كارثة إنسانية، وكأن المدينة قد سقطت بالفعل!
هذا النوع من الخطاب لم يكن بريئاً في نظر كثيرين، لأنه جاء متزامناً مع حملة إعلامية ضخمة هدفت إلى تضخيم قوة المليشيا، وإضعاف الروح المعنوية للمدافعين عن المدينة، فمن يعرف الأبيض جيداً، يدرك أنها ليست مدينة تستسلم بالإشاعات، ولا تهزمها بيانات تصدر من خلف المكاتب المكيفة
الأبيض كتبت تاريخها بالصمود قبل اليوم ، يوم كانت قوات المليشيا تتمركز على مقربة من المدينة، كانت تظن أن الطريق إليها مفتوح، لكنها اصطدمت برجال الهجانة (أم ريش)، أولئك الذين جعلوا من الرمال متاريس، ومن العزيمة سلاحاً لا ينكسر، فبقيت الأبيض عصية، وسقطت رهانات المهاجمين
واليوم يتكرر المشهد، لكن بصورة معاكسة ، فبعد العمليات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة في شمال كردفان، وتطهيرها عدداً من المناطق، بدأت أحلام المليشيا تتهاوى، وتبددت أوهام الحصار، وانكشف أن ما كان يُسوَّق على أنه (اقتراب من الحسم) لم يكن سوى فقاعة إعلامية سرعان ما انفجرت على صخرة الواقع
لقد أخطأ من ظن أن الحرب تُحسم بالمنشورات والتغريدات، أو أن المدن تسقط بالتخويف وبث الرعب، فالأبيض مدينة تعرف كيف تقاتل، وكيف تصبر، وكيف تحول الحصار إلى دافع للمقاومة لا إلى سبب للانكسار
إن التفاف أهل الأبيض حول قواتهم المسلحة هو السور الحقيقي الذي حمى المدينة، وهو الرسالة التي لم يفهمها من راهن على الشائعات فالجيوش تنتصر حين يسندها شعبها، والأوطان تبقى شامخة حين يرفض أهلها الاستسلام
إني من منصتي أنظر … حيث اري…. أن الأبيض اليوم ليست مدينة تنتظر مصيرها، بل قاعدة تنطلق منها إرادة التحرير نحو ما تبقى من المناطق، ومن يراقب الميدان يدرك أن ميزان الأحداث تغير، وأن المبادرة لم تعد بيد من كان يهدد بالأمس.
سيظل في حلق المليشيا (شوكة أم بوز) ،شوكة لا تُنتزع، ولا تُكسر، ولا تسمح لعروس الرمال أن تنحني.

